حتى سارع المسلمون إلى نسخ المصاحف منها وعرضها عليها.
وإتماما للخطوة التي بدأت بنسخ المصاحف الموحدة فقد أمر الخليفة بإحراق كل القطع والمصاحف التي كتب فيها القرآن من قبل بعض الصحابة، ليضع بذلك حدا لأي اختلاف يقع، سواء في الرسم أم في القراءة. وقد سارع كل من لديه شيء من ذلك إلى إحراقه، ثقة منه بالمصحف الذي تمتد أصوله إلى ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم والذي ارتضته جموع الصحابة والتابعين في المدينة وغيرها من الأمصار، ولم يتخلف عن ذلك إلا عبد الله بن مسعود ومن تبعه من أهل الكوفة، إذ يروى أنه أنكر تولية زيد بن ثابت نسخ المصاحف دونه، وأبى أن يسلم مصحفه في أول الأمر، وأمر أتباعه بغل مصاحفهم [1] . وقد قال أبو بكر الأنباري [2] : وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك فشيء نتجه الغضب، ولا يعمل به، ولا يؤخذ به، ولا يشك في أنه رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب منه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم. وقد أشرنا من قبل إلى أسباب اختصاص زيد بن ثابت بمهمة جمع القرآن وكتابته في خلافة الصديق، وتوليته أمر الجماعة التي قامت بنسخ المصاحف في خلافة عثمان.
ولا تشير رواية الزهري السابقة إلى تاريخ محدد لنسخ المصاحف، وتكتفي بالإشارة إلى أن ذلك كان في خلافة عثمان، ومحاولة استخلاص ذلك من دراسة تاريخ أحداث فتح أرمينية وأذربيجان والتقاء جند أهل الشام والعراق في تلك الأصقاع [3] ، يبدو أمرا غير ممكن الآن خاصة أن حديث المصادر التاريخية عن ذلك لا يخلو من الغموض والإبهام، ولا سيما أن فتوح تلك الأنحاء قد امتدت لعدة سنوات [4] .
(1) انظر: أبو عبيد: فضائل القرآن، لوحة 36. وابن سعد: ج 2، ص 343. وابن أبي داود:
ص (1514) .
(2) القرطبي: ج 1، ص 53. وانظر ابن أبي داود: ص 18.
(3) انظر في ذلك: البلاذري: ص (212205) ، وص (336333) . واليعقوبي: ص 272. والطبري:
التاريخ، ج 4، ص 246. وابن عبد البر: ج 1، ص 335. وابن حزم: ص 343. وابن الأثير:
ج 3، ص 43وص 55. وابن خلدون: مج 2، ص (10181016) . ود. عبد الله خورشيد: القرآن وعلومه في مصر. القاهرة، دار المعارف، 1970، ص (4518) .
(4) انظر سترك: مادة أرمينية في دائرة المعارف الإسلامية (مترجم) ، 1933، ج 1، ص 642.