ولكن نجد أن ابن أبي داود قد أخرج من طريق أبي إسحاق عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: خطب عثمان الناس فقال: يا أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة، وأنتم تمترون في القرآن لكن في رواية أخرى: منذ خمس عشرة سنة [1] . (ثم ذكر الحديث في جمع القرآن) ، وبحساب السنوات منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما بعد ثلاث عشرة أو خمس عشرة سنة يرجح ابن حجر أن يكون ذلك قد وقع في (أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين) . ثم يقول: «وغفل بعض من أدركنا فزعم أن ذلك كان في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر لذلك مستندا» [2] .
ولا بد من الإشارة بعد ذلك إلى أن نسخ المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة كان قد خضع للمراجعة والتمحيص، على نحو ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب من زيد إعادة قراءة ما كتبه، فيقيم ما به من سقط كما مر ذلك مع أن زيدا ومن معه اعتمدوا على الصحف التي جمع فيها القرآن في خلافة الصديق، إذ إنهم حرصا منهم على الاتفاق في هجاء بعض الكلمات كانوا يرفعون ذلك إلى الخليفة عثمان الذي كان أحد كتبة الوحي على نحو ما حدث في كلمة (التابوت) ، أو يستشيرون كبار الصحابة من حفاظ القرآن وكتبة الوحي، ليجتمعوا على رأي واحد في ذلك. ويروي أبو عبيد في فضائل القرآن قوله [3] : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك، قال:
حدثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربري مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب [4] ، فيها (لم
(1) ابن أبي داود: صفحة (24) . والعدد المذكور في الرواية يشير إلى عدد السنوات من وفاة النبي حتى ظهور الحديث عن الاختلاف في القراءة، وقيام عثمان يخطب الناس حول الأمر، في خلافته.
(2) فتح الباري، ج 10، ص 391. وانظر السيوطي: الإتقان، ج 1، ص 170، وقد حدد ابن الأثير (في الكامل، ج 3، ص 55) ، تاريخ نسخ المصاحف بسنة ثلاثين وتابعه في ذلك ابن خلدون، (انظر مج 2، ص 1018) .
(3) لوحة 73. وقد وصف ابن حجر (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، ج 3، ص 286) الحديث بقوله: (وفيه ضعف) ، وفي نفس الصفحة هامش (2) ، وقال البوصيري: رواه إسحاق بإسناد ضعيف.
(4) سبق أن أشرنا (ص 95) إلى الاختلاف في سنة وفاة أبيّ. وهل أدرك نسخ المصاحف أم لا.