يتسن)، وفيها (لا تبديل للخلق) ، وفيها (فأمهل الكافرين) قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين، وكتب (لخلق الله) ، ومحا (فأمهل) وكتب (فمهل) ، وكتب (لم يتسنه) ألحق فيها الهاء. وينقل أبو عبيد في رواية أخرى أن هانئا قال: كنت الرسول بين عثمان وبين زيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله (لم يتسن) فقال عثمان: اجعلوا فيها الهاء [1] .
وهاتان الروايتان توضحان أنه قد كانت هناك مراجعة واستشارة في إثبات صورة كلمة ما، وتبيّنان مدى الحرص على أن يأتي المصحف دقيقا في رسمه، حين يتوقف الكتبة عن إلحاق لام أو هاء، أو حذف ألف حتى يستشار كبار الصحابة من كتبة الوحي وحفظة القرآن في إثبات ذلك أو حذفه.
ويروي الطبري [2] ، والداني [3] ، عن أبي قلابة أنه قال: حدثني أنس بن مالك، قال:
كنت فيمن يملى عليهم. قال: فربما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله أن يكون غائبا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها، حتى يجيء أو يرسل إليه. وهذه الرواية تشير إلى حرص الكتبة على ألا يكتبوا آية قد يختلف في قراءتها إلا بعد التأكد من الصيغة التي أقرأها النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، وهكذا تم للمصحف العثماني الغاية في الدقة والضبط، سواء في القراءة العامة التي كتب عليها، أو في دقة رسم الكلمات وهجائها، على ما كان معروفا لديهم من قواعد الهجاء والإملاء.
ومهما يكن من أمر فقد توافرت جهود كبار الصحابة من حفظة القرآن وكتبة الوحي، سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو عهد الصديق وعمر ثم في خلافة عثمان على كتابة القرآن وجمعه محفوظا في الصدور، ومكتوبا في السطور، حتى جاء على أتم صورة يمكن أن يكون عليها كتاب، مصداقا لقوله سبحانه {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ (9) }
[الحجر] ، دستورا خالدا للأمة المسلمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير
(1) فضائل القرآن، لوحة 37.
(2) التفسير، ج 1، ص 62.
(3) المقنع، ص 7. وانظر السيوطي: الإتقان، ج 1، ص 170.