ومما يلاحظ على هذه الوجوه من الاختلاف في القراءات التي يذكرها ابن قتيبة في بيان معنى الأحرف، أنه يعتبر ما خرج على خط المصحف داخلا في الوجوه السبعة، سواء أكان ذلك إبدال كلمة محل كلمة أم تغيير بعض حروف الكلمة أم تقديم كلمة أو
تأخيرها أم زيادة كلمة أو نقصها عما عليه خط المصحف، وهذا مهم في بيان تطور معنى الشذوذ، وبيان علاقة القراءات الشاذة بالرسم، خاصة أن مصطلح القراءات السبع أو العشر لم يكن قد ظهر بعد. كذلك يلاحظ هنا أن ابن قتيبة لم يشر إلى كون اختلاف وجوه الأداء من همز وتسهيل وإمالة وفتح وإدغام وإظهار إلى آخره، من بين الوجوه السبعة.
وسنجد أن محاولة ابن قتيبة هذه في بيان معنى الأحرف من خلال تصنيف أوجه اختلاف القراءات ستظل ذات أثر، تتفاوت درجته، على مواقف التالين له حتى العصر الحديث.
وتناول أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) هذا الحديث والمراد منه، وهو يحاول الإجابة على تساؤله: بأيّ ألسن العرب أنزل القرآن؟ أبألسن جميعها أو بألسن بعضها؟ وبيّن أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض دون الجميع، إذ كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبعة بما يعجز عن إحصائه، وقد تظاهرت الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وهو يرى بهذا المفهوم أن معنى الحديث «أنه نزل بسبع لغات، وأمر بقراءته على سبعة ألسن» [1] . وهو ينفي في سياق ذلك أن يكون معنى الأحرف السبعة سبعة أوجه من المعاني، ويستدل على ذلك بأن الأحاديث التي وردت في ذلك تشير إلى (أنهم تماروا في القرآن، فخالف بعضهم بعضا في نفس التلاوة دون ما في ذلك من المعاني) [2] ويبيّن رأيه في معنى الأحرف بوضوح حين يقول [3] : «الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن هي لغات سبع، في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق، وتتفق فيه المعاني، وإن اختلفت بالبيان به الألسن، كالذي روينا آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة. إن ذلك بمنزلة قولك: هلم وتعال وأقبل.
وقوله: (ما ينظرون إلّا زقية) و «إلا صيحة» . وهو يروي أن ستة منها قد ذهبت، وأن
(1) التفسير، ج 1، ص 47.
(2) نفس المصدر، ج 1، ص 48.
(3) نفس المصدر، ج 1، ص (5857) .