كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصديق في جمعه وولاه عثمان كتبة المصاحف.
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نجد تلك القراءة التي روعي فيها رسم المصحف متميزة الآن؟ سنناقش هذا الأمر مفصلا كما ذكرنا في فصل لا حق، ونتعرض لتاريخ نشأة مدارس القراءة وتميزها، وبحسبنا هنا أن نشير إلى شيء من ذلك بما يمهد السبيل إلى دراسة مظاهر الرسم وفق منهج محدد. ونكتفي هنا بإيراد رأي مكي في هذه المسألة حيث يقول [1] : «ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم خرج جماعة من الصحابة في أيام أبي بكر وعمر إلى ما افتتح من الأمصار، ليعلّموا الناس القرآن والدين، فعلّم كل واحد منهم مصره على ما كان يقرأ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علموهم. فلما كتب عثمان المصاحف (و) وجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها، وأمر بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجّه إليهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصحف إليهم مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما (ما) يخالف خط المصحف، فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف الخط، ونقل ذلك الآخر عن الأول في كل مصر، فاختلف النقل لذلك، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل، كما لم يخرج واحد من أهل الأمصار، عن خط المصحف الذي وجّه إليهم. فلهذه العلة اختلفت رواية القراء فيما نقلوا، واختلفت أيضا قراءة من نقلوا عنه، لذلك» .
ولما كانت الأحرف السبعة التي وردت في الحديث على ضربين [2] : أحدهما: زيادة
(1) الإبانة، ص (1615) .
(2) انظر: المهدوي (أبو العباس أحمد بن عمار) : شرح كتاب الهداية في القراءات السبع (له) ، مخطوط منه نسخة (ميكروفيلم) في معهد المخطوطات العربية. والأصل في الخزانة الملكية في الرباط، ورقة 2أ.