ويرى الداني في قول عثمان رضي الله عنه في آخر هذا الخبر: لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف، أن معناه لم توجد فيه مرسومة بتلك الصور المبنية على المعاني دون الألفاظ المخالفة لذلك، إذ كانت قريش ومن ولي نسخ المصاحف من غيرها قد استعملوا ذلك في كثير من الكتابة وسلكوا فيها تلك الطريقة، ولم تكن ثقيف وهذيل مع فصاحتهما يستعملان ذلك، فلو أنهما وليتا من أمر المصاحف ما وليه من تقدم من المهاجرين والأنصار لرسمتا جميع تلك الحروف على حال استقرارها في اللفظ ووجودها في المنطق دون المعاني والوجوه إذ إن ذلك هو المعهود عندهما والذي جرى عليه استعمالهما [1] .
وتوجيه الداني هذا يدفع إلى التأمل في مدى عراقة استخدام الكتابة العربية في تلك الفترة في حواضر الحجاز وبين القبائل العربية، إذ يفهم منه أن الكتابة في مكة والمدينة كانت قد جرت على أصول وقواعد تر سخت بمرور الزمن، ولم يعد رسم الكلمة يخضع لاعتبار اللفظ فحسب، بل إن هناك عوامل أخرى أشار إليها الداني بقوله (المعاني والوجوه) ، وليست هي سوى الجانب التاريخي للكتابة، حين تتطور اللغة دون أن يصاحب ذلك تغيير في هجاء الكلمات يقابل ذلك التطور، ويفهم منه أيضا أن كتبة ثقيف لم يكونوا قد أتقنوا صور الكلمات حسبما جرى عليه تقليد الكتابة العربية في غير ديارهم، فهم لو ولوا نسخ المصاحف لرسموا الكلمات وفقا للفظها دون زيادة حرف في رسمها أو حذف شيء من رموزها [2] ، كمن تعلم صور حروف الهجاء فحسب، وطلب منه كتابة كلمات جملة ما، فإنه سيكتب ما يسمعه من لفظ دون ما قد يكون لتلك الكلمات من هجاء قد استقر وجرى عليه الاستعمال، على نحو ما يخطئ تلاميذ
(1) انظر: المقنع، (ص 117116) .
(2) يبدو أن الباقلاني فهم الخبر المروي عن عثمان (لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف) فهما يقارب فهم الداني له، فقد قال في كتاب الانتصار(انظر:
أحمد بن المبارك: الإبريز، ص 55): «وقصد بذلك والله أعلم أن ثقيفا كانت أبصر بالهجاء وأشد تمسكا بالكتابة على مخارج الألفاظ، وأعلم بذلك من غيرها، وأن هذيلا تستعمل الهمز كثيرا في كلامها، وتظهره وتأتي به مبينا، والهمز إذا ظهر وبان في لفظ المملي سمعه الكاتب وصوره على مخرج اللفظ، وكان القارئ بعد ذلك بالخيار إن شاء لين الهمز وأسقطه على لغة قريش أو حققه على لغة هذيل» .