للهمزة صورة في الخط، وإنما تعضد بأحد هذه الحروف الثلاثة [1] . وقد جعل المراكشي تعلق المعاني بتلك الأصوات على حسب موقعها في جهاز النطق ومن ثم فالهمزة تدل على الأصالة والمبادئ فهي مؤصلة، لأنها مبدأ الصوت، والألف تدل على الكون بالفعل وبالفصل فهي مفصلة في الوجود، لأنها من حيث أنها أول الحروف في الفصل الذي يتبين به ما يسمع وما لا يسمع متصلة بهمزة الابتداء، والواو تدل على الظهور والارتقاء فهي جامعة، لأنها من غلط الصوت وارتفاعه بالشفة معا إلى أبعد رتبة في الظهور، والياء تدل على البطون، فهي مخصصة، لأنها من رقة الصوت وانخفاضه في باطن الفم [2] .
ثم يمضي المراكشي في عرض المقدمات التي ينبني عليها مذهبه فيقول [3] : لما كان الوجود على قسمين: ما يدرك وما لا يدرك، والذي يدرك على قسمين: ظاهر ويسمى الملك، وباطن ويسمى الملكوت، والذي لا يدرك فتوهمه على قسمين: ما ليس من شأنه أن يدرك وهي معاني أسماء الله تعالى وصفة أفعاله، وهذا من هذا الوجه يسمى العزة، وما من شأنه أن يدرك لكن لم ننله بإدراك وهو ما كان في الدنيا ولم ندركه، فهذا يسمى من هذا الوجه الجبروت فالألف يدل على قسم الوجود، والواو على قسم الملك منه، لأنه أظهر للإدراك، والياء على قسم الملكوت منه، لأنه أبطن في الإدراك، فإذا بطنت حروف في الخط ولم تكتب فالمعنى باطن في الوجود عن الإدراك، وإذا ظهرت فلمعنى ظاهر في الوجود إلى الإدراك، كما إذا وصلت فلمعنى موصول، وإذا حجزت فلمعنى مفصول، وإذا تغيرت بضرب من التغيير دلت على تغيير في المعنى في الوجود.
ولكي تتضح الصورة التي أراد أن يقدمها أبو العباس المراكشي حلا لمشكلات الرسم على النحو الذي بيّنا فيه خلاصة مذهبه نورد جملة من الأمثلة التطبيقية التي حرص الزركشي على حشو الفصل الذي عقده عن (علم مرسوم الخط) [4] بإيرادها لتعليل ظواهر
(1) انظر القسطلاني: ج 1، ص (284283) .
(2) نفس المصدر، ج 1، ص (286285) .
(3) نفس المصدر، ج 1، ص 286.
(4) البرهان، ج 1، ص (430376) .