الأقدمين من تصدى لهذه الرواية [1] ، مفنّدا لها بما سبق من أن هذه الأسماء هي كلمات تجمع الحروف ليسهل تعلمها، وهي شائعة عند اليهود والسريان آنذاك يعلمون بها الصبيان الكتابة. وهو بعد ذلك يرد الرواية أصلا، إذ إنها صادرة عن رجل كان يولد الأخبار على الأمم الذين بادوا كعاد وثمود وطسم وجديس وأضرابهم، فإذا احتاج إلى توليد أشعار يؤكد بها تلك الأخبار خرج إلى ظاهر المدينة، حيث يلقى الأعراب يضعون له الشعر المناسب.
ومهما قيل في هذه الرواية فإن فيها إشارات مهمة، فهي أولا: تشير إلى عملية استحداث رموز الأحرف الستة التي تنفرد بها الأبجدية العربية بالنسبة لأكثر الأبجديات السامية. وثانيا: أنها تشير إلى بلاد مدين في شمال الجزيرة العربية، وأن هؤلاء كانوا منها. وسيتضح لنا فيما بعد أن لتلك الأنحاء دورا مهما في نشوء وتطور الكتابة العربية.
وننتقل الآن إلى روايات أكثر جدية عن أصل الخط العربي، فقد كان هذا الخط يسمى في الجاهلية (الجزم) [2] . واختلف في أصل هذه التسمية، فينقل ابن دريد وابن جني عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني (ت 248أو 255هـ) قوله: إنما سمّي هذا الخط بالجزم «لأنه جزم من المسند، أي أخذ منه» [3] . والمسند هو خط حمير أيام ملكهم» [4] . وقد جاء ابن خلدون (ت 808هـ) ليؤكد أن الخط من الصنائع الحضرية، وأنه من جملة الصنائع المدنية المعاشية، وأن جودة الخط إنما تكون على قدر الاجتماع والعمران والتناغي في الكمالات، وهو لذلك يرى أن الخط العربي قد انتقل من اليمن،
(1) حمزة بن الحسن الأصفهاني: التنبيه على حدوث التصحيف، دمشق، مجمع اللغة العربية بدمشق 1968، ص 1816.
(2) ابن دريد (أبو بكر محمد بن الحسن) : جمهرة اللغة، ط 1، حيدرآباد، دائرة المعارف العثمانية 1345هـ، ج 2، ص 91. والاشتقاق له، القاهرة، الخانجي 1958، ص 371. والجوهري (إسماعيل بن حماد) : تاج اللغة وصحاح العربية، القاهرة، دار الكتاب العربي 1956، ج 5، ص 1887. وابن أبي داود: ص 4.
(3) ابن دريد: جمهرة اللغة، ج 2، ص 104. وابن جنّي (أبو الفتح عثمان) : سر صناعة الإعراب، ط 1، القاهرة، مصطفى البابي الحلبي 1954، ج 1، ص 45. وابن منظور: مادة (جزم) ج 4، ص 365.
(4) ابن دريد: الجمهرة، ج 2، ص 91و 104. وابن جنّي: سر الصناعة، ج 1، ص 45. وانظر الجوهري: ج 1، ص 487.