فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 692

ومع أن الملاحظ على الفواصل بصورة عامة أنها تميل إلى الانتهاء بصور هجائية متشابهة، كما يظهر مثلا من مقارنة فواصل سورة الكهف التي تنتهي بالألف وفواصل سورة طه التي تنتهي بفتحة طويلة رسمت ياء فإن هذا الاتجاه لا يعني أن ما يرد من كلمات تخالف نهايتها نهايات كلمات فواصل السورة يجب تغيير رسمها لتتناسب الصورة ويتفق الخط، ومن ثم فإن هذا التعليل لبعض أمثلة الظاهرة يبدو ضعيفا، لضعف الأساس الذي بني عليه، كما نلاحظ من تتبع الأمثلة.

أما القول بأن ما رسم بالياء من ذوات الياء للفرق بينها وبين ذوات الواو، وأن ما كتب من ذوات الواو بالألف ليفرق بذلك بينها وبين ذوات الياء فإنه تعليل لا يجد من الأدلة ما يدفع إلى الأخذ به، بل يبدو أن هذا المبدأ في تفسير بعض ظواهر الرسم والكتابة العربية لا أصل له، وأن بعض العلماء قد عجزوا من الوصول إلى تفسير صحيح لبعض ظواهر الرسم أو الزيادة فيه، فقالوا: إن تلك الظاهرة أو الزيادة جاءت للفرق بينها وبين ما قد يشركها في الصورة [1] .

أما التعليل الذي يبدو أكثر شمولا للظاهرة وأوضح حجة في الدليل فهو القول بأن ما رسم بالياء من الفتحات الطويلة إنما كان ذلك لقراءته بالإمالة، التي تقرب الفتحة الطويلة إلى الكسرة الطويلة التي ترسم برمز الياء، ولكن ليس لدينا ما يثبت أن كتبة المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه كانوا يتحرون الألفاظ الممالة فيرسمونها بالياء، والألفاظ غير الممالة فيرسمونها بالألف [2] ، بل إنّ هناك من الأدلة ما ينفي أن تكون تلك الفتحات الطويلة قد رسمت ياء بسبب الإمالة [3] .

فقد ورد أولا في كتب النحو والقراءات ما يدل على أن أصحاب الإمالة من القبائل هم تميم وقيس وأسد وعامة أهل نجد [4] . ورغم أن أقوال سيبويه توحي أن بعض أهل الحجاز قد يميل، (أما العامة فلا يميلون) [5] ، لكن نصوص علماء القراءة وأقوالهم جاءت تؤكد أن الفتح والإمالة لغتان فاشيتان على ألسنة الفصحاء من العرب

(1) انظر: ص (8784) من الفصل التمهيدي.

(2) انظر د. عبد الفتاح شلبي: الإمالة، ص 196.

(3) يرى المستشرق برجشتراسر (التطور النحوي، ص 3938) أن الكلمات العربية التي رسمت بالياء أومأ الكتاب بها إلى الإمالة وهو من ثم يستدل بذلك على أن الإمالة كانت معروفة مستعملة عند أهل الحجاز. ولكن سنجد أن الرواية والواقع ينفيان هذه الدعوى.

(4) انظر د. عبد الفتاح شلبي: الإمالة، ص 75.

(5) انظر: الكتاب، ج 2، ص 259، و 260، و 261، ويقول (ج 2، ص 263) : «واعلم أنه ليس كل من أمال الألفات وافق غيره من العرب ممن يميل ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه فينصب بعض ما يميل صاحبه، ويميل بعض ما ينصب صاحبه، وكذلك من كان النصب من لغته لا يوافق غيره ممن ينصب، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين في الكسر، فإذا رأيت عربيا كذلك فلا ترينه خلط في لغته ولكن هذا من أمرهم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت