فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 692

وأشار الصولي إلى نفس المعنى في باب ما كتب على غير القياس بقوله [1] : «من ذلك الصلاة والزكوة والغدوة والحيوة والمشكوة والربو: كتب كل هذا في المصحف بالواو، وكان يجب أن يكتبن بالألف للفظ، وإنما كتبن كذلك على مثل أهل الحجاز لأنهم تعملوا الكتاب من أهل الحيرة» .

وهذه الروايات تشير إلى أنه كان لأهل الحيرة نطق معين جرت عليه الكتابة عندهم، وحين انتقلت الكتابة العربية من الحيرة إلى مراكز الحضارة في الحجاز حافظ الكتّاب على صور هجاء الكلمات، لكن الرواية تفترض اختلاف نطق بعض الكلمات عند أهل الحجاز عن نطقها عند أهل الحيرة، وأن أهل الحجاز أبقوا صور الكلمات على ما كانت عليه عند كتاب الحيرة، ومن ثم فإن كتابة أهل الحجاز لتلك الكلمات بالواو «جرى على منطق غيرهم وتقليد لهم» .

ولا ندري هل كان أهل الحيرة ينطقون تلك الكلمات بالواو، وجروا في كتابتهم على نحو ما ينطقون، أو أنهم أخذوا الكتابة العربية من بيئة أخرى كانت تكتب هذه الكلمات بالواو، وحافظوا على صورتها مع أن نطقهم لها قد يكون بالفتحة الطويلة، على نحو ما تصور بعض علماء السلف موقف أهل الحجاز حين جروا في كتابة تلك الكلمات على منطق غيرهم؟ ومهما يكن من شيء فإن هذه الفكرة عند علماء السلف مع أنها جاءت مقتضية تشير إلى فهم صحيح لأثر انتقال الكتابة من بيئة لغوية معينة إلى بيئة لغوية أخرى، سواء أكانت هاتان البيئتان تنضويان تحت ظلال لغة مشتركة واحدة، أم أن كلا منهما كانت مستقلة عن الأخرى، لكن ظروفا معينة جعلت إحداهما تستعين بكتابة الأخرى، إذ إن صور الكلمات تحاول أن تحافظ على شكلها الذي كانت عليه في البيئة الأولى، رغم ما قد يلحق نطقها من تطور أو تغير في البيئة الجديدة، وينطبق الشيء نفسه بالنسبة لكتابة لغة ما في بيئة معينة إذ إن هجاء الكلمات غالبا ما يمثل نطقا أقدم لتلك الكلمات في نفس البيئة، وهذه الخاصية في الكتابة تفسر قسطا كبيرا من انحرافات الكتابة عن واقع النطق، وهكذا تسير هاتان الحقيقتان: تطور اللغة في بيئة معينة مع عدم ملاحقة الكتابة لذلك التطور، وانتقال الكتابة من بيئة معينة إلى أخرى قد يختلف نطق الكلمات فيهما جنبا إلى جنب في تفسير معظم مظاهر القصور في الكتابات عامة، من

(1) أدب الكتاب: ص 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت