وجود رموز لا مقابل لها في النطق أو أن رموزا أخرى تنطق بطريقة تغاير ما تدل عليه رموز الكتابة كما في هذه الحالة في رسم الفتحة الطويلة واوا، وكذلك الحالة السابقة في رسمها ياء أو أن أصواتا معينة تلفظ لكن دون أن نجد لها مقابلا في رموز الكلمة المكتوبة.
وبناء على ذلك فإن تلك الفكرة في تفسير هذه الظاهرة والتي تنسب أصلا إلى الفراء تبدو صحيحة خاصة أن البحوث المعاصرة في مجال الدراسات المقارنة سواء في اللغة أم الكتابة قد أسهمت في تأكيدها، وقدمت للدارسين وسائل جديدة كشفت عن بعض تاريخ مشكلة الكتابة عامة، وما نحن بصدده هنا خاصة، وبقدر ما سيكشف من نقوش سامية وخاصة من النقوش النبطية المتأخرة والعربية الجاهلية يسهل على الباحثين تفسير المشكلة بصورة عامة، وتتبع صور هجاء الكلمات ومدى استجابتها للتطور الذي يصيب النطق.
يقدم لنا نقش نبطي مؤرخ بسنة (1ق. م) كلمة (مناة) مكتوبة بالرموز النبطية هكذا (م ن وت و) [1] ، وجاءت نفس الكلمة في نقش نبطي آخر يرجع إلى القرن الثالث الميلادي ومؤرخ بسنة (267م) مكتوبة بنفس الطريقة [2] ، ولما كانت الكتابة العربية في الرأي الراجح منحدرة من الكتابة النبطية، كما بيّنا في الفصل التمهيدي، فإن من المحتمل أن يحافظ كثير من الكلمات على صورها النبطية القديمة، رغم ما قد تكون عليه من نطق جديد في اللغة العربية، ومن المحتمل جدا كذلك أن يكون رسم الكلمة بالواو في الرسم العثماني هو بقايا من الصورة النبطية القديمة، ويمكن بسهولة تعليل الاختلاف البسيط في كلا الصورتين الهجائيتين النبطية والعربية، فالواو التي تلحق آخر الأعلام النبطية، والتي نلاحظها في الشكل النبطي، سقطت حين استعملت صورة الكلمة في الكتابة العربية، وليس بعد ذلك بينهما أي اختلاف، إذ حافظت صورة الكلمة في الكتابة العربية على الواو التي تظهر في وسط الكلمة في الشكل النبطي، والتي صارت في النطق العربي للكلمة فتحة طويلة، ويبدو أن تلك الواو كانت تنطق في النبطية واوا أو ضمة طويلة، فظلت صورة ذلك النطق القديم مستخدمة رغم التحول الذي أصاب
(1) انظر خليل يحيى نامي: نقش رقم (5) ، سطر (5) ، ص 37.
(2) نفس المصدر، نقش رقم (19) ، سطر (3) ، ص 67. وانظر: د. جواد علي، ج 7، ص 306.