والملاحظ في الأمثلة السابقة من مثل (حينئذ) وما أشبهها ممّا أخذت فيه الهمزة المبتدئة حكم المتوسطة بسبب الوصل، وظهر أثر ذلك في الرسم أن صورة النطق الجديد حلت محل صورة النطق القديم دون أن يبقى لها أثر، إلا أن الكتابة كما قلنا أكثر محافظة على الرسم الذي اعتيد عليه رغم ما قد يصيب نطق الكلمة من تطور، ولذلك فقد يتطور نطق كلمة دون أن يواكب الرسم ذلك التطور، وقد يمثل الكتّاب النطق الجديد في الكلمة دون أن يحذفوا صورة النطق القديم، وعلى ذلك فقد كان بالإمكان أن تأتي كلمة (حينئذ) مرسومة هكذا (حين ايذ) أو (حينايذ) ، فتظل صورة الهمزة المبتدئة ثابتة في الرسم إلى جانب تمثيل النطق الجديد برمز الياء التي تشير إلى تخفيف الهمزة المكسورة بعد فتح ياء ضعيفة (بين بين) ، وكذلك الحال في (يا ابن أم) بالإمكان أن تأتي مرسومة هكذا (أوم) سواء وصلت رسما أم لم توصل.
وقد روى بعض علماء السلف أن ذلك أعني إثبات رمز النطق الجديد إلى جانب رمز النطق القديم يكاد أن يكون مذهبا جرى عليه بعض الكتاب فيما يكتبون، وقد صور ذلك ابن ولاد أحسن تصوير حين قال: فإن كان الاسم مهموزا كتبته بالألف في الرفع والنصب والخفض، فقلت: هذا الخطأ ورأيت الخطأ وعجبت من الخطأ، فإن أضفته فالأجود أن تجعل الهمزة في الرفع واوا وفي الخفض ياء وفي النصب ألفا، فتقول: هذا خطؤك ونبؤك، وعجبت من خطئك ونبئك، ومنهم من يدع الهمزة على حالها قبل الإضافة، يكتبها في الرفع والنصب ألفا: هذا خطأك، ورأيت خطأك، وعجبت من خطأك. والأول أحسن وأكثر. ومنهم من يكتبها إذا أضاف في الرفع بألف وواو، وفي الخفض بألف وياء: هذا خطأوك وعجبت من خطأيك. وهذا أضعف الوجوه [1] .
وبغض النظر عن التحسين والتضعيف في قول ابن ولاد فإن هذا النص يقفنا على حقائق مهمة في رسم الهمزة المتطرفة التي تأخذ حكم المتوسطة بسبب الوصل، فمن الكتاب من يتشبث بالصورة القديمة فيكتب الهمزة بالألف دون التفات إلى ما قد يكون عليه النطق، ومنهم من يستجيب لواقع النطق فيكتبها مرة واوا وأخرى ياء، وربما ألفا، حسب ما تؤول إليه عند التخفيف وهي في كلام متصل.
ولم ينفرد ابن ولاد برواية ذلك الاتجاه للكتاب في كتابة الهمزة المتطرفة التي تتوسط
(1) ابن ولاد (أحمد بن محمد بن الوليد) : كتاب المقصور والممدود، ليدن، 1900، ص 2.