ومما يدل على أن هذا الصوت المجتلب للتوصل إلى نطق ما أوله ساكن إنما هو همزة إلى جانب نص علماء السلف على ذلك ودلالة أداء القراء عليه أن الكتابة العربية القديمة كما يمثلها الرسم العثماني وبعض النقوش قد مثلت هذا الصوت برمز الهمزة المحققة وهو (الألف) . وإنما تم ذلك بناء على إدراك الكتّاب في تلك الفترة المتقدمة بحسهم اللغوي قبل أن ينظر العلماء في اللغة ويصنّفوا أصواتها طبيعة هذا الصوت، وتيقنهم من أنه همزة فاستعملوا لذلك رمز (الألف) للدلالة عليه [1] .
ولما كانت القاعدة العامة التي انبنت عليها الكتابة العربية في الغالب هي أن تكتب الكلمة بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها، فمن المتوقع أن تأتي همزة الوصل ثابتة في الرسم في كل المواضع التي زيدت فيها، لأنها لا تلفظ إلا في حالة الابتداء التي تقوم على أساسها الكتابة، ولكن سبق أن بيّنا أن الرسم قد يجري على الوصل كما يجري على الوقف. ولما كانت همزة الوصل تسقط عند النطق بالكلام متصلا، لأن حركة آخر الكلمة التي تسبق همزة الوصل تقوم بدور الهمزة في التوصل إلى النطق بالكلمة التي أولها ساكن، فقد حذفت من الرسم في بعض المواضع حملا للكتابة على الوصل.
ويذكر علماء الرسم أنه لا خلاف في رسم ألف الوصل الساقطة من اللفظ في الدرج إلا خمسة مواضع فإنها حذفت منها في كل المصاحف، والمواضع الخمسة هي [2] :
1 -حذفت بعد الباء في {بِسْمِ اللََّهِ} * إذا كان مضافا للفظة {اللََّهِ} * خاصة حيث وقع دون ما أضيف إلى غيره من مثل {بِاسْمِ رَبِّكَ} * وشبهه، فالألف فيه مثبتة في الرسم بلا خلاف.
يتوصل بها إلى النطق الساكن».
(1) يشك الدكتور كمال محمد بشر (انظر: دراسات في علم اللغة، ق 1، ص 143وما بعدها) في أن يكون المنطوق في تلك السياقات المذكورة همزة. ويرى أن ذلك نوع من التحريك الذي يسهّل عملية النطق بالساكن، وأن ما يسمع من همزة أحيانا من أفواه العامة وأنصاف المثقفين إنما هو تطور لذلك الصوت.
(2) المهدوي: ص (117116) . والداني: المقنع، (3029) ، وسليمان بن نجاح، لوحة 3. وابن وثيق الأندلسي: لوحة 2. والعقيلي: لوحة 3.