ولكن ما الذي يجعل حذف رمزها مستعملا ومقبولا في كلمة دون أخرى؟ يبدو أن العادة وكثرة الاستعمال قد ساهما في شيوع صور بعض الكلمات على نحو معين، فليس حذف ألف الوصل من {بِسْمِ اللََّهِ} * دون {بِاسْمِ رَبِّكَ} * وما يشبهه إلا لشيوع صورة الصيغة الأولى بالحذف دون ما عداها. فالهمزة ساقطة في لفظ كلتا الصيغتين. وهكذا قد يستجيب الكاتب لما يطرأ على لفظ الكلمة بسبب نطقها في الدرج أو بسبب اتصال بعض الحروف بها، وقد يظل متشبثا بأصل إثبات رمز همزة الوصل حين النطق بالكلمة المبدوءة بساكن في أول الكلام.
وبناء على ذلك لا معنى للخلاف الشديد بين أئمة العربية حول إثبات أو حذف رمز همزة الوصل في (باسم) في غير صيغة {بِسْمِ اللََّهِ} * من مثل (باسم ربك أو باسم الرحمن) . فقد قال الكسائي والأخفش: تحذف، وقال الفراء: لا تحذف إلا مع باسم الله الرحمن الرحيم [1] . وقال الصولي [2] : وأجاز الكسائي طرح الألف في قولهم: باسم الخالق وباسم الرحمن، وغيره يأبى ذلك ولا يجيزه إلا في {بِسْمِ اللََّهِ} * وحده، وعلى هذا العمل وهو الصواب! ويبدو أن تعليل الخليل للظاهرة كما ينقله الرازي صحيح في شقه الأول دون الثاني فقد ذكر الفخر الرازي أن الخليل قال [3] : «وإنما حذفت الألف في قوله {بِسْمِ اللََّهِ} * لأنها إنما دخلت بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن فلما دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف فسقطت في الخط، وإنما لم تسقط في قوله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} لأن الباء لا تنوب عن الألف في هذا الموضع كما في {بِسْمِ اللََّهِ} * لأنه يمكن حذف الباء من {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} مع بقاء المعنى صحيحا، فإنك لو قلت: اقرأ اسم ربك صح المعنى، أما لو حذفت الباء من {بِسْمِ اللََّهِ} * لم يصح المعنى فظهر الفرق!» .
ولا يبدو التعليل بإمكانية حذف الباء في {بِاسْمِ رَبِّكَ} * وبقاء المعنى صحيحا وعدم
(1) أبو حيان: البحر المحيط، مج 1، ص 16. وانظر الفراء: معاني القرآن، ج 1، ص 1. وابن خالويه: إعراب ثلاثين سورة، ص (109) .
(2) أدب الكتاب، ص 3635.
(3) مفاتيح الغيب، ج 1، ص 57.