وما يقبل الاتصال منها وما لا يقبله [1] ، وكان النظام الذي بلغته الكتابة العربية في وصل الحروف أو الكلمات ثمرة تطور عدة قرون، وقد استقر على طريقة معينة تقريبا قبل الرسم العثماني بنحو قرن من الزمن على نحو ما نجد ذلك مكتملا في نقش حران (568ب. م) .
وقد نص علماء العربية أن حق كل كلمة أن تقع مفصولة في الكتاب عما قبلها وما بعدها ليدل كل لفظ على ما وضع له مفردا [2] ، فالأصل فصل الكلمة عن الكلمة لأن كل كلمة تدل على معنى غير معنى الكلمة الأخرى، فكما أن المعنيين متميزان فكذلك اللفظ المعبر عنهما يكون، وكذلك الخط النائب عن اللفظ يكون متميزا بفصله عن غيره [3] . وسبق أن أشرنا إلى أن الحدود الفاصلة بين الكلمات تكاد تختفي في النطق المتصل حتى «أن كثيرا من المقاطع بل ومن مجاميع المقاطع لا نعرف ما إذا كنا نعدها كلمات مستقلة أو أن نصلها بالكلمات المجاورة لها» [4] ، ولذلك فإن الكلمات المكونة من مقطع قصير واحد والتي سماها سيبويه (الكلمات ذات الحرف الواحد) لا تأتي إلا متصلة بما بعدها أو ما قبلها من كلمة أخرى، ويعلل ابن درستويه ذلك بقوله «لأن العرب لا تنطق بحرف واحد مفردا، فتبتدئ به وتقف عليه، وكذلك يجب أن لا يفرد مثل ذلك في الكتاب اتباعا للفظ إلا أن يكون حرفا من الحروف الستة التي لا تتصل بما بعدها» [5] . أما الكلمات المكونة من حرفين بمعنى أنها مكونة من مقطع طويل مفتوح واحد مثل (في ما لا) ، أو المكونة من مقطع طويل مقفل (عن من) ، فقد جاءت في أغلب الأحوال منفصلة عن غيرها في الكتابة، ومن ثم فإن ملاحظة
(1) تذكر رواية عربية قديمة (انظر الفصل التمهيدي) أن الرجال الطائيين الثلاثة وضعوا حروفا مقطعة وموصولة، وتذكر رواية أخرى (انظر ابن عبد ربه: ج 4، ص 157) أن بني إسماعيل وضعوا الخط متصل الحروف حتى فرقه نبت وهميسع وقيذر، وهذه روايات غامضة وقد دل البحث التاريخي أن ظاهرة ارتباط الحروف العربية قديمة ترجع إلى الكتابة النبطية المبكرة (انظر: ص 27من الفصل التمهيدي) .
(2) ابن درستويه: ص 22.
(3) انظر السيوطي: همع الهوامع، ج 2، ص 237.
(4) فندريس: ص 86.
(5) كتاب الكتاب، ص 22.