علماء الرسم من «أن الأصل في الخط أن تكتب كل كلمة على حرفين فصاعدا منفصلة عما بعدها ما لم يكن ضميرا متصلا» [1] ، ملاحظة صادقة في فهم واقع الكتابة العربية.
وإذا كانت بعض الكلمات سواء كانت من ذوات الحرف أم من ذوات الحرفين قد اتخذت أسلوبا معينا في الاتصال أو الانفصال فإن بعض الكلمات، من المرسومة برمزين خاصة، قد ترددت بين الاتصال والانفصال بحسب الصوت الذي يسبقها أو يلحقها أو بحسب نوع الكلمة كذلك، وتظهر هذه الظاهرة في الرسم العثماني بوضوح في بضعة أمثلة، حيث جاءت في بعض المواضع موصولة وفي بعضها مفصولة مستقلة برسمها، وقد سجل علماء الرسم كل الكلمات والأمثلة التي جاءت موصولة أو مقطوعة في الرسم في كتبهم، حتى إن ابن النديم يذكر من الكتب المؤلفة في (مقطوع القرآن وموصوله) ثلاثة كتب لكل من الكسائي وحمزة وعبد الله بن عامر اليحصبي [2] ، ولعل موضوع هذه الكتب هو ما وصل من كلمات في بعض المواضع وما فصل منها في مواضع أخرى في الرسم العثماني، وقد أفرد علماء الرسم لهذا الموضوع فصلا مستقلا في كتبهم يسمونه (الفصل والوصل) أو (القطع والوصل) أو (المقطوع والموصول) ، وقال عنه أبو بكر الأنباري بأنه: باب الحرفين اللذين ضم أحدهما إلى الآخر، فصارا حرفا واحدا يحسن السكوت عليه إذ لا يجوز الوقف على أحدهما أي أولهما دون الآخر [3] .
وقبل أن نورد الأمثلة التي جاءت مقطوعة وموصولة، وقبل أن نحاول تبين العوامل التي أدت إلى ذلك نشير إلى ظاهرة هامة تتعلق بطريقة رسم الكلمات وتوزيع حروفها على السطر في المصاحف العثمانية، وهي ما ذكره القلقشندي تحت عنوان (فصل بعض حروف الكلمة الواحدة عن بعض، وتفريقها في السطر والذي يليه) وينقل أن صاحب (منهاج الإصابة) قال: «إنما وقع مثل ذلك في المصاحف التي كتبت في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لأنها كتبت بقلم جليل مبسوط، فربما وقع في بعض الأماكن اللفظة فيقطعها في آخر السطر ويجعل باقيها في السطر الثاني» [4] ونجد
(1) ابن وثيق الأندلسي: لوحة 16، وانظر ابن الجزري: النشر، ج 2، ص 147.
(2) الفهرست، ص 36.
(3) انظر الجعبري: ورقة 358أ.
(4) صبح الأعشى، ج 3، ص 151.