(ما) عن بئس كما مر بيان ذلك [1] . ويبدو أن اتصال (ما) بحرف الجر (في) واتصال (لا) ب (كي) قد كان سبب قلة حروف هذه الكلمات، فمال الكتّاب إلى جمعها في كلمة واحدة.
أما اتصال (ما) بكل أو إن أو أن أو أين فقد ذهب علماء العربية إلى أن (ما) إذا كانت موصولة أي بمعني (الذي) كتبت مفصولة، وإذا كانت غير ذلك وصلت، لأنه كثر استعمالها مع هذه الأشياء حتى صارت كأنها منها فوصلت بها [2] .
ويبدو أن هذه القاعدة التي توصل إليها علماء العربية بشأن وصل (ما) أو فصلها من الكلمات المذكورة كانت نتيجة استقراء ناقص للأمثلة الواردة في الرسم العثماني، أو أنهم أهملوا أصل استعمال العرب الأول لذلك في الكتابة، أو أنهم على عادتهم في استبعاد الأمثلة التي لا تدخل تحت القاعدة العامة أهملوا الأمثلة التي لا تنطبق عليها القاعدة، وذلك لأن الأمثلة التي يقدمها الرسم لا تشير إلى أن كتبة المصاحف كانوا يتحرون فصل (ما) التي بمعنى الذي ووصل ما عداها، فلو كان ما يقوله النحاة دقيقا لما وجدنا (ما) موصولة في مثل قوله تعالى: {أَنَّمََا غَنِمْتُمْ (41) } [الأنفال] ومفصولة في كلّ ما ردّوا (91) [النساء] وغير ذلك من الأمثلة التي تشير إلى أن كتبة المصاحف لم يكونوا ينظرون إلى معنى (ما) لكي يصلوها أو يفصلوها.
لكن ذلك لا ينفي أن يكون لمعنى الكلمة أو موقعها في الجملة أثر في وصلها أو فصلها في بعض المواضع ويظهر ذلك من فصل الضمير (هم) في قوله سبحانه في المؤمن {يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ (16) } وفي الذاريات {يَوْمَ هُمْ عَلَى النََّارِ يُفْتَنُونَ (13) } . فقد قال الداني (هم) منهما في موضع رفع بالابتداء وما بعده خبره، فلذلك فصل (اليوم) عنه، و (هم) فيما عداها خفض بالإضافة فلذلك وصل (اليوم) به [3] . نحو قوله {فَالْيَوْمَ نَنْسََاهُمْ كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا (51) } [الأعراف] وما أشبه ذلك.
وهكذا فإن الضمير (هم) حين يكون في محل رفع فإنه ينفصل في الكتابة عما قبله
(1) انظر ابن معاذ الجهني: ورقة 252أ.
(2) ابن درستويه: ص 24، وص (2726) ، وانظر أيضا ابن معاذ الجهني: ورقة 249أوما بعدها.
(3) المقنع، ص 75. وانظر المهدوي: ص 86.