مكونا كلمة مستقلة، دون ما كان في محل جر أو نصب، ولذلك جاء في قوله {كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ (3) } [المطففين] موصولا في الموضعين، من غير ألف بعد الواو [1] . إذ لو كانت هناك ألف بعد الواو لدلّ ذلك على الانفصال.
أما وصل (يا ابن أم) فقد كان ذلك على ما يبدو بسبب نطق هذه الكلمات في سياق متصل، إلى جانب صغر حجمها، وقد بيّنا أصل صورة يبنؤمّ من قبل، ومثل ذلك أيضا (يومئذ) وما أشبهه [2] .
أما فصل لام الجر في الأربعة المواضع المشار إليها فقد تحدث الفراء عن فصلها في سورة النساء {فَمََا لِهََؤُلََاءِ الْقَوْمِ (78) } فقال: كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة ب (ما) وأنها حرف في بعضه [3] . وقد يكون ذلك أثرا قديما لظاهرة انفصال رموز الكلمة الواحدة، وقد يكون راجعا إلى طبيعة الحرف الذي يسبق اللام وهو (ما) في الأمثلة الأربعة، حيث يكوّن معها شكل كلمة واحدة.
وينقل الداني أن معلى بن عيسى الورّاق قال: كنا إذا سألنا عاصما (الجحدري) عن المقطوع والموصول قال: سواء، لا أبالي أقطع ذا أم وصل ذا، إنما هو هجاء [4] ، ويعقب الداني على ذلك بقوله «وأحسبه يريد المختلف في رسمه من ذلك دون المتفق على رسمه منه» .
ومهما يكن من شيء فإن موقف عاصم الجحدري (ت 128) من الكلمات التي جاءت موصولة مرة ومفصولة أخرى ينفي فكرة فصل (ما) عند ما تكون موصولة (بمعنى الذي) ووصلها عند ما تكون غير ذلك، فعاصم هذا كان من أئمة علماء الرسم كما كان من أوائل علماء العربية، ولم يكن من اليسير غياب هذه الملاحظة عنه لو كانت تمثل اتجاها معروفا عند الكتاب ولكن يبدو أن علماء العربية في فترات لاحقة حرصا منهم على وضع قواعد محددة ذهبوا ذلك المذهب.
(1) الداني: المقنع، ص 77.
(2) ابن درستويه: ص 32.
(3) معاني القرآن، ج 1، ص 278.
(4) المقنع، ص 72.