على بعض النصوص المكتوبة المهمة ترجع إلى سنوات متقدمة من القرن الأول الهجري، وقد ظهرت فيها بعض نقط الإعجام فوق بعض الحروف، فمزج هؤلاء المحدثون بين تلك الروايات القديمة وما تدل عليه هذه النقوش ليخرجوا من ذلك كله بنتيجة تقول إن نقط الإعجام قديم، يعود إلى العصر الجاهلي أو إلى السنين الأولى من تاريخ الإسلام.
وعلينا أن نكون في معالجة هذه القضية حذرين في فهم تلك الروايات التاريخية، لأن أكثرها قيل في غيبة المعرفة التاريخية بأصل تطور الأبجدية، إلى جانب أن الروايات المتواترة تعارضها، وبناء على ذلك سنحاول هنا عرض تلك الروايات ومناقشتها مرجئين دراسة دلالة النقوش والنصوص المكتوبة والروايات التي تقول إن إعجام الحروف قد اخترع بعد النصف الثاني من القرن الهجري الأول حتى نناقش موضوع الإعجام عامة بعد قليل.
وقد أشير من قبل إلى الرواية التي تسند وضع الإعجام إلى عامر بن جدرة [1] ، ويعقب القلقشندي على ذلك بقوله «وقضية هذا إن الإعجام موضوع مع وضع الحروف، وقد روي أن أول من نقط المصاحف ووضع العربية أبو الأسود الدؤلي من تلقين أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه، والظاهر ما تقدم إذ يبعد أن الحروف قبل ذلك مع تشابه صورها كانت عريّة عن النقط إلى حين نقط المصاحف» [2] . وقال صاحب كشف الظنون [3] : «إن الصدر الأول أخذ القرآن والحديث من أفواه الرجال بالتلقين، ثم لما كثر الإسلام اضطروا إلى وضع النقط والإعجام، فقيل: أول من وضع النقط مرار (مرامر) والإعجام عامر، وقيل الحجاج، وقيل أبو الأسود الدؤلي بتلقين علي رضي الله تعالى عنه، إلا أن الظاهر أنهما موضوعان مع الحروف إذ يبعد أن الحروف مع تشابه صورها كانت عرية عن النقط إلى حين نقط المصاحف، وقد روي أن الصحابة قالوا: جردوا المصحف من كل شيء حتى النقط، ولو لم يوجد في زمانهم لما يصح التجريد منه» .
كذلك يتراءى من بين أقوال بعض علماء العربية أنهم يرون أن نقط الإعجام موضوع
(1) انظر: الفصل التمهيدي، ص 34.
(2) صبح الأعشى، ج 3، ص 155.
(3) حاجي خليفة، مج 1، عمود 712.