كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين، فإن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلقوا عنه ما أمره الله بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا».
وحاول بعض أصحاب هذا الاتجاه أن يؤيد مذهبه هذا ببعض الأخبار المروية عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما فقد أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن أن أبا بكر بن عياش قال سمعت أبا حصين يقول «لما وجّه عمر الناس إلى العراق قال لهم كذا وكذا، فذكر كلاما، ثم قال: جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا شريككم، أو قال على رسول الله» [1] . وأخرج أيضا عن ابن الأحوص أن عبد الله بن مسعود قال [2] : «جردوا القرآن ليربو فيه صغيركم ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت يسمع فيه سورة البقرة» . وأخرج أبو بكر الأنباري عن الضحاك أن ابن مسعود قال [3] : «جردوا القرآن، وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي، والله يحب أن يعرب» . ونقله الداني [4] : «جردوا القرآن، ولا تخلطوه بشيء» وقد أوّل بعض العلماء أن المقصود بتجريد القرآن هو إخلاؤه من النقط، كما مر قول صاحب كشف الظنون.
لكن هذا الاتجاه في بيان تاريخ إدخال العلامات المميزة في الكتابة العربية لا تكاد الأدلة التي يقدمها القائلون به تكفي لتقرير أن نقط الإعجام أو نقط الإعراب كان موجودا قبل الإسلام ومستعملا في الكتابة العربية.
أما قول بعض علماء السلف أن النقط المميزة للحروف كانت قد وضعت مع وضع الحروف العربية فهذا يرده ما كشف من تاريخ الكتابة العربية والأصل الذي اشتقت منه، ورغم الغموض الذي لا يزال يحيط بكثير من جوانب ذلك التاريخ فإن ما تم كشفه مما ذكرنا بعضه في الفصل التمهيدي كفيل بنفي هذه الفكرة.
وأما قولهم: إن المصاحف جردت لتحتمل ما صح من القراءات فإنه لا يقوم دليلا
(1) فضائل القرآن، لوحة 5، وانظر: غريب الحديث (له) ، ج 4، ص 49.
(2) نفس المصادر، لوحة 5و 57، وج 4، ص 46على التوالي.
(3) إيضاح الوقف والابتداء، ج 1، ص 16. وانظر القرطبي: ج 1، ص 23.
(4) المحكم، ص 10، وانظر السيوطي: الإتقان، ج 4، ص 160.