فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 692

على ما ذهبوا إليه، لأن ذلك يحتاج أولا إلى إثبات أن النقط أو الشكل كان موجودا ثم إثبات أن المصاحف جردت منه لتحتمل ما صح من القراءات، أما النقط والشكل فلم يثبت إلى اليوم أنه كان موجودا يوم كتبت المصاحف، وكذلك فإن تجريد المصحف ليحتمل القراءات الصحيحة لم يثبت فقد رجحنا من قبل أن المصحف العثماني لم يكتب إلا لتمثيل القراءة العامة المشهورة في المدينة حينذاك.

وأما الاحتجاج بقول عمر أو ابن مسعود «جردوا القرآن» فيبدو أن هذا الخبر أعطي ذلك التفسير في فترات لاحقة لقوله حين بدءوا ينقطون المصاحف فاحتج من كره ذلك بقول عمر وابن مسعود (جردوا القرآن) . قال أبو عبيد [1] : «وقد اختلف الناس في تفسير قوله: جرّدوا القرآن، فكان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصاحف، ويقول: جردوا القرآن ولا تخلطوا به غيره، قال أبو عبيد: وإنما نرى أن إبراهيم كره هذا مخافة أن ينشأ نشء يدركون المصاحف منقوطة فيرى أن النقط من القرآن ولهذا المعنى كره من كره الفواتح والعواشر» . ونقل السيوطي في الإتقان [2] : «وقال الحربي في غريب الحديث: قول ابن مسعود: جردوا القرآن، يحتمل وجهين: أحدهما جردوه في التلاوة، ولا تخلطوا به غيره. والثاني: جردوه في الخط من النقط والتعشير. وقال البيهقي: الأبين أنه أراد: لا تخلطوا به غيره من الكتب» . وبناء على ذلك فإن الاستدلال على وجود النقط وقت نسخ المصاحف بهذا الخبر غير كاف لإثبات ذلك، بل يبدو أن حمل الخبر على تجريد المصحف من إثبات التفسير أو الحديث فيه دون النقط أكثر انطباقا على الواقع، وهذا لا ينفي أن بعض الأئمة احتج بقول ابن مسعود حين أخذ الناس ينقطون المصاحف، واعتبروا ذلك النقط تزيدا ينبغي تجريد المصحف منه [3] .

ومما يستوقف نظر الدارس لهذه القضية عند علماء السلف أن أبا عمرو الداني الذي يذهب أن المصاحف العثمانية جردت من النقط والشكل «من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السّعة في اللغات، والفسحة في القراءات» ، قد ردد في أكثر من كتاب من كتبه

(1) غريب الحديث، ج 4، ص 47.

(2) الإتقان، ج 4، ص 162.

(3) نقل أبو عبيد (فضائل القرآن، لوحة 57) عن هشيم أنه قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم: «أنه كان يكره نقط المصاحف، ويقول جرّدوا القرآن ولا تخلطوا به» ، وانظر الداني: المحكم، ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت