والفتحة قدّام الحرف، ضد ما عليه الناس» [1] .
وذلك كله لا يقوم دليلا على أن نقط المصاحف عرف قبل الدؤلي، فقول الداني إن حكاية قتادة الذي توفي سنة (117هـ) [2] ، لا تكون إلا عن الصحابة وأكابر التابعين لا تدل على شيء من أمر وضع النقط، فقتادة يتحدث عمن نقط المصاحف ممن سبقوه، وهو توفي بعد نصف قرن من وفاة أبي الأسود، ولا بد أن النقط قد عرف واستعمله الناس في خلال تلك السنين، ويصبح قول قتادة (بدءوا فنقطوا) لا يدل إلا على عمل أبي الأسود الدؤلي وتلامذته الذين أشاعوا طريقته.
أما القول بأن أهل مكة كانوا ينقطون على غير نقط أهل البصرة والاستدلال بمصحف إسماعيل القسط حيث كانت الفتحة فيه قدام الحرف والضمة فوقه، فلا يدل على أن النقط كان موجودا في مكة قبل أبي الأسود، فإسماعيل القسط عاش بين سنتي (100 170هـ) [3] وهو تاريخ متأخر عن بداية استعمال النقط في المصاحف، وإذا كانت دلالة النقط التي استعملها أبو الأسود على الحركات دلالة اصطلاحية فليس غريبا أن يجعل إسماعيل القسط موضع الفتحة في مكان الضمة ما دام هو نفسه يعرف دلالة كل نقطة، وطريقته في أساسها لا تخرج عن طريقة أبي الأسود [4] .
وإذا رجح الآن بما يشبه اليقين القول بأن أبا الأسود الدؤلي هو أول من نقط المصاحف نعرض لطريقة أبي الأسود في تمثيل الحركات بواسطة النقط، وقد مرت من قريب رواية أبي بكر الأنباري عن العتبي في سبب نقط المصاحف وكيف استعان برجل من عبد القيس اصطفاه من ثلاثين رجلا وقال له: «خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى
(1) المحكم، ص (98) .
(2) ابن الجزري: غاية النهاية، ج 2، ص 26.
(3) ابن الجزري: غاية النهاية، ج 1، ص 165.
(4) وانظر الداني (المحكم، ص 87) حيث يبين الداني أن المقصود من قول أبي حاتم (والنقط لأهل البصرة، أخذه الناس كلهم عنهم، حتى أهل المدينة كانوا ينقطون على غير هذا النقط، فتركوه، ونقطوا نقط أهل البصرة) هو نقط الهمزة حيث لم يكن أهل المدينة يحققون الهمزة، فكان نقطهم الهمزة بالصفرة دليلا على أخذهم ذلك عن أهل البصرة.