العربي وبعده مغزوة باللغة السريانية وبالمعارف السريانية وكانت إلى جانب ذلك آهلة بالعلماء السريان، وميدانا لدراساتهم ومناقشاتهم وجدلهم، لا في الناحية الدينية أو الفلسفية فقط، ولكن في مختلف العلوم الإنسانية ومنها اللغة والنحو، ونعلم أيضا أن اللغة العربية قد تعرضت بعد اتساع الفتوح الإسلامية إلى نفس الأزمة التي تعرضت لها اللغة السريانية في خلال القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد: ظهور لغات أخرى في ميدان الحديث والكتابة، وانتشار اللحن بين الناطقين، والخوف من أن يمتد هذا اللحن إلى نصوص الكتاب المقدس، هذه هي مظاهر الأزمة التي مرت بها اللغة السريانية في القرنين الرابع والخامس الميلادي، واللغة العربية بعد اتساع الفتوح، ولقد كان من نتائج هذه الأزمة عند السريان أن فكروا في وضع ضوابط لشكل كتابهم المقدس، ولم تكن هذه الضوابط سوى طريقة النقط التي استعملها أبو الأسود الدؤلي في ضبط شكل القرآن، من هذا نرى أن المقدمات متشابهة والظروف متشابهة والنتائج متشابهة، وكلا العملين قد حدث في بيئة واحدة، أليس من العناد إذن أن نقول إن أبا الأسود الدؤلي لم يستمد طريقة نقط الشكل من السريانيين الذين سبقوه بنفس العمل»، ثم يتحدث الأستاذ عون عن اتصال أبي الأسود باللغة السريانية وعلمائها ويذهب في هذا بعيدا عن الواقع حين يقول [1] : «على أننا نظن بل نرجح أن أبا الأسود كان يعرف اللغة السريانية معرفة تمكنه من التفاهم بها، وقراءة بعض نصوصها إلى حد ما، وذلك لإقامته الطويلة في بيئة العراق، واهتمامه الشديد بالأبحاث اللغوية والدينية أثناء إقامته في تلك البيئة، وهي تكاد تكون بيئة سريانية في أول عهد اتصال العرب بها» .
ونحن إنما أثقلنا البحث بهذا النص الطويل لنأتي على كل الأدلة التي بنى عليها الباحث نتائجه، وإذا كانت الحقائق التاريخية تتفق مع ما وصف به الباحث أبا الأسود من تعدد جوانب شخصيته فإن ما ذكره عن بيئة العراق وأنها كانت «مغزوة باللغة السريانية والمعارف السريانية» وأنها «تكاد تكون بيئة سريانية في أول عهد اتصال العرب بها» لم يقدم عليه دليلا واحدا، ولا أظن أن أحدا يملك اليوم مثل ذلك الدليل، وإذا كانت المصادر تذكر أن ديانة أهل الحيرة كانت النصرانية فإن المصادر تؤكد أيضا أن غربي العراق وجنوبه كان يغلب عليه الطابع العربي، وأنه كان منزلا للقبائل العربية،
(1) اللغة والنحو، ص 251.