حتى بلاط إمارة اللخميين العرب في الحيرة كان عربيا ويكتب فيه بالعربية، وبينا في الفصل التمهيدي كيف كان سكان القرى العربية غربي الفرات مثل الحيرة وعين التمر والأنبار وغيرها يكتبون بالعربية قبل دخول الإسلام بلاد العراق [1] . فلم تكن هناك تلك الغلبة للسريانية على بيئة العراق كما يصور الأستاذ عون، وإذا تصورنا أن هناك لغة أخرى تنافس العربية في غربي العراق وجنوبه في السنين الأولى لظهور الإسلام فإنها اللغة الفارسية وليست السريانية.
ولم تكن الحيرة مركزا للحركة النصرانية في الشرق، وإنما كانت إحدى امتدادات تلك الحركة، وما حدث من ظهور اتجاهات متعددة لتمثيل الحركات في الكتابة السريانية لم يحدث في جنوب العراق وإنما كان في نصيبين والرّها في أطراف آسيا الصغرى [2] ، إلى جانب أن تاريخ وضع علامات الحركات في الكتابة السريانية هو موضع جدل، وليس بعيدا أن يكون أبو الأسود قد نقط المصاحف والسريان لم يستخدموا النقط بعد لتمثيل الحركات [3] .
(1) انظر: الفصل التمهيدي، ص 26.
(2) انظر نولدكه: ص 61، وجرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج 1، ص 251.
(3) تبلورت عند السريان طريقتان للدلالة على الحركات إحداهما طريقة النقط الصغار فوق الحرف أو تحته أو فوقه وتحته، وهذه الطريقة شائعة عند السريان الشرقيين (النساطرة) خاصة، والطريقة الثانية: هي طريقة الحروف التي أخذت من الأبجدية اليونانية، وهي توضع فوق الحروف أو تحتها، واستعملها السريان الغربيون (اليعاقبة) خاصة (انظر المطران إقليميس: ص 164) ومن المؤكد الذي لا شك فيه أنه في حياة يعقوب الرهاوي الذي توفي في بادئ القرن الثامن الميلادي لم تكن بعد قد استنبطت طريقة للحركات لا اليونانية ولا النقطية (نفس المصدر، ص 169) وقيل: إن طريقة النقط الصغيرة لم تظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثامن(انظر:
د. زكية محمد رشدي: السريانية نحوها وصرفها، القاهرة، دار الثقافة، ص 32). وكان السريان قبل استخدام هاتين الطريقتين لتمثيل الحركات قد استخدموا النقط لتمييز الجمع وحرفي الدال والراء واستخدموا نقطا كبيرة تقوم مقام الحركات لدفع الالتباس في القراءة فرسموا نقطة كبيرة تكتب من فوق الحرف المشتبه أو من تحته (انظر المطران إقليميس: ص 162161) لكن هذه النقط لم يكتب لها الانتشار لعدم كفايتها فاضطر السريان إلى استخدام علامات الحركات عند السريان: جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج 1، ص 254، جويدي: محاضرات أدبيات الجغرافيا، ص 8483، نولدكه: ص 6160، د. علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، ص 57