ولو سلمنا بانتشار السريانية في بعض الأوساط في جنوب العراق فإنها قطعا لم تدخل البصرة في تلك الفترة المتقدمة، على ذلك النطاق الواسع الذي يصوره الأستاذ عون، فالبصرة أنشئت مدينة للجند والمقاتلة الذين خرجوا في الفتوح الإسلامية من الجزيرة، وكانت بيئتها إسلامية عربية خالصة في نشأتها، بعيدة عن الحيرة التي من المحتمل أن تكون فيها آثار من الثقافة السريانية.
ومن ثم فإن قصة معرفة أبي الأسود، الذي اتخذ البصرة منزلا له وكان قاضيا فيها فترة من الزمن، للغة السريانية وتعلمه القراءة فيها تصبح محض خيال لا يقوم على دليل صحيح، وهكذا تبدو دعوى الأستاذ عون وما حاول تأكيده صدى كاذبا لدعوى قديمة كانت ظنونا وأوهاما وحاول هو أن يقدمها على أنها حقيقة وبلغ به الحماس حد القول «أليس من العناد إذن أن نقول إن أبا الأسود لم يستمد طريقة نقط الشكل من السريانيين» .
ونحن لا نحاول رفض مذهب وتأييد آخر عن هوى، فالحق أحقّ أن يتبع، ولكن ما دام ليس هناك دليل نقلي أو عقلي يبين لنا مقدار ذلك التأثير إن وجد، وما دام أصل تلك المقولة ظنونا لا يؤيدها من الواقع دليل فليس على أحد في ردها وتجهيل القائلين بها شيء.
ورغم أن الروايات لا تبين لنا المصدر الذي استمد منه أبو الأسود الدؤلي تلك
و249) وكان يعقوب الرهاوي قد توفي سنة (708م) (انظر د. زكية محمد رشدي: السريانية، ص 31) وهو ما يقابل سنة (90هجرية) تقريبا، ومعنى ذلك أن طريقة كاملة لم تشع في الكتابة السريانية لتمثيل الحركات حتى ذلك التاريخ الذي يعتبر متأخرا بالنسبة لوفاة أبي الأسود الدؤلي (ت 69هـ وقيل قبل ذلك) الذي تجمع الروايات على أنه أول من نقط المصحف وإذا صح أن طريقة تمثيل الحركات بالنقط عند السريان لم تظهر حتى النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي الذي يقابل النصف الأول من القرن الهجري الثاني تقريبا فإن ذلك ينفي أن يكون الدؤلي قد أخذ أو استفاد طريقته من نظام تمثيل الحركات بالنقط عند السريان، ويظل احتمال استفادته من الطريقة القديمة التي لم تكن تمثل حركة معيّنة ويبدو أنها لم تنتشر وتعرف بدرجة كبيرة حتى بين السريان أنفسهم مشكوكا فيه، ولا يسوغ كل ذلك الاندفاع الذي أبداه الأستاذ حسن عون في دعوى أخذ أبي الأسود طريقته عن الكتابة السريانية.