القالي كتب سنة 486هـ [1] ، ولا نزال نشهد ذلك الحرص على استيفاء ضبط الكلمات في كتب اللغة العربية والشعر فيما يطبع منها في الوقت الحاضر، ونجد ذلك الحصر أيضا في استيفاء حق الكلمات من الحركات عند المحدّثين الذين حرصوا على ضبط ألفاظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ الزمن الأول إلى اليوم [2] .
ويبدو أن نساخ المصاحف اتجهوا بعد عصر الداني، في بلاد الأندلس والمغرب، إلى استعمال الشكل المستطيل فيما يتعلق بعلامات الحركات فجعلوا الفتحة ألفا مبطوحة فوق الحرف والكسرة ياء مردودة صغرى تحته، والضمة واوا صغرى فوقه، بدل النقط المدورة، ويمكن أن نلاحظ مؤشرات عامة لذلك التحول في أقوال بعض العلماء الذين جاءوا بعد عصر الداني، فقد قال أبو طاهر إسماعيل بن ظاهر العقيلي المصري (ت 623هـ) بعد أن ذكر طريقة النقط المدور التي اختارها الداني في نقط المصاحف وطريقة الشكل المستطيل التي وضعها الخليل [3] : «والأمر قريب إن شاء الله تعالى، غير أن موافقة التابعين والأئمة المتقدمين عندي آثر، والمصير إلى ما عرف وألف أظهر فإن الضبط المستطيل الآن أشهر، والعمل به أكثر، وأصل الضبط إنما كان لإيضاح الكلم وتعليم النطق بها على مراد كاتبها» . وقد بين أبو طاهر العقيلي في مطلع الفصل الذي عقده لموضوع الضبط بعد قوله السابق أن [4] : «كل شيء يجيء على مذهب من اختار النقط فإنه عند من اختار الشكل المستطيل كذلك إلا في المضموم فإن الضم عنده واو صغرى فوق الحرف لأنه لا يشكل بالفتح لأن الفتح ألف مبطوحة، وإنما يحتاج إلى تغاير الموضعين من جمع بين الصورتين» فالعقيلي حين يتحدث عن هذا الموضوع يبين طريقة المذهبين جميعا، ويترك القارئ بالخيار، وكأنه لا يزال هناك من يميل إلى استعمال النقط المدور.
ولا نجد بعد أبي طاهر العقيلي ما يشير إلى استعمال النقط المدور في تمثيل الحركات القصيرة فقد قال علم الدين السخاوي (ت 643هـ) «وأما هذا الشكل فقد كان
(1) المخطوطات في دار الكتب المصرية، وانظر نموذجا لهما في موريتز، (لوحة 121و 176) .
(2) انظر السيوطي: تدريب الراوي، ج 2، ص 68وما بعدها.
(3) مختصر ما رسم في المصحف، لوحة 24.
(4) نفس المصدر واللوحة.