الحيرة ودومة الجندل؟ ليس هناك ما ينفي أن تكون الكتابة العربية قد دخلت الحجاز من الأنحاء الشمالية مباشرة، خاصة أن العديد من الكتابات النبطية جاءت من الإقليم الشمالي لبلاد الحجاز، من الحجر (مدائن صالح) والعلا وتيماء، هذا إضافة إلى الاتصال التجاري المستمر بين أهل الحجاز وبلاد الشام. فارتباط الحجاز بالطرف الجنوبي من بلاد الأنباط، وكون الكثير من النقوش النبطية من ذلك الإقليم، والاتصال المستمر بينها كلها عوامل مشجعة لتطور كتابة عربية في ذلك الإقليم [1] .
ولا شك أن الدلائل الآن غير كافية لإعطاء حكم قاطع في كل ذلك، وتبقى الروايات العربية وما تدل النقوش القليلة من نتائج مقبولة إلى حد ما.
أما زمن نشوء الكتابة العربية وتاريخ استوائها وانتقالها إلى الحجاز فإن المصادر العربية تربط ذلك بأسماء عدة رجال، فواضعو الكتابة ثلاثة نفر من طيء من أهل الأنبار، وناقلها إلى مكة إما بشر بن عبد الملك تعلمها من أهل الحيرة [2] ، أو من أهل الأنبار [3] . وإما حرب بن أمية، أو سفيان وأبو قيس بن عبد مناف، تعلموها من بشر بن عبد الملك أو من أهل الحيرة أو من واضعيها [4] . وهذه الرواية تعني أن انتقال الكتابة إلى الحجاز قد تم قبل الإسلام، فبشر بن عبد الملك هو أخو أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلّم في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره، ففر أهلها، ولم يجد المسلمون فيها أحدا [5] . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد من تبوك إلى دومة الجندل فقدم بأكيدر على رسول الله، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته [6] . كذلك فإن سفيان وحربا وأبا قيس هم من مشهوري رجال مكة، حتى إن ابن
(1) المصدر السابق، ص 8و 12.
(2) البلاذري، ص 476.
(3) ابن أبي داود، ص 4. والسيوطي: المزهر، ج 2، ص 346.
(4) انظر البلاذري: ص 276، والجهشياري، ص 1. وابن النديم، ص 5. والقلقشندي، ج 3، ص 14.
(5) الواقدي: ج 1، ص 402. وابن سعد، ج 2، ص 62.
(6) الواقدي: ج 2، ص 526. وابن سعد، ج 3، ص 1025.