منها آنفا إلا أن نقط الإعراب سبق نقط الإعجام في استخدامه في المصاحف، ولا ندري هل أن يحيى بن أبي كثير أدرك المصاحف مجردة وشهد وضع النقط، أم أنه روى ذلك عمن رأى المصاحف مجردة، ومهما يكن من شيء فإن رواية ابن أبي كثير لا تعني بشكل قاطع أن نقط الإعجام تم وضعه قبل نقط الإعراب.
إن دلالة الروايات التاريخية على بداية وضع إعجام الحروف واستخدامه في المصاحف تكاد تحدد الفترة التي تمت خلالها تلك الخطوة، ويبدو أنها قد تمت وفقا لتلك الروايات بعد النصف الأول من القرن الهجري الأول وقبل نهايته. وإذا ما حاولنا الاستعانة بالوثائق المخطوطة التي تعود إلى ذلك القرن لتوكيد ما تدل عليه الروايات فإنّا لن نستقر في ذلك على شيء، بل إن الوثائق المخطوطة تكاد تضع القضية وضعا جديدا لكنه لا يزال بعيدا عن درجة القطعية والثبوت، ففي أيدي الباحثين اليوم عدة وثائق مخطوطة ترجع إلى فترة سابقة لخلافة عبد الملك بن مروان، وقد ظهر فيها بعض نقط الإعجام مما يبعث على التساؤل في صحة الروايات التاريخية أو في أصالة تلك النقط التي تظهر فوق بعض الحروف في تلك النصوص.
أما الوثائق المذكورة فهي بردية ونقشان. أما البردية فقد سبق أن أشرنا إليها في الفصل التمهيدي، ونحاول هنا أن نتعرض بتفصيل أكثر لتاريخها وقراءتها وأهميتها في بيان تاريخ إعجام الحروف العربية، وقد نشرت هذه البردية في مجموعة الأرشيدوق راينر التي ضمت البرديات العربية الموجودة في متحف فينا، تحت رقم (558) وهي مكتوبة باللغتين العربية واليونانية، ويبدو أن الجزء العربي هو الأصل وأن الجزء اليوناني هو ترجمة له [1] .
وقد قدم جروهمان قراءة لهذه البردية فقرأ السطر الأخير منها على هذا النحو:
(في / شهر جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وكتب ابن حديدو) [2] ، وذكر أن في الكتابة العربية لهذه البردية خمسة أحرف عليها نقط الإعجام وهي (ش ز ذ خ ن)
(2) نفس المصدر، ص 144.