والمبالغة في ذلك يعد انتقاصا لذلك الشخص في علمه وإشعارا بعدم قدرته على القراءة الصحيحة دون الإعجام، وقد قال ابن درستويه: «إن من شأن أهل النحو والشعر والغريب تقييد كل كلمة على ما يستحق كل حرف منها مبسوطا ومركبا واستيفاء الشكل والنقط إحكاما واستيثاقا لأن علمهم غمض فتقييده أوضح على قارئيه. ومن شأن كل الدواوين التخفيف وإغفال الشكل من كل ما وضح ولم يلتبس كما أن ذلك شأنهم في النقط، فإذا التبست الكلمة أو الحرف فتقييدها لازم على جميع المذاهب» [1] ، وعبر عن هذه الظاهرة أبو الخير صاحب مفتاح السعادة (ت 962هـ) بقوله: «إن النقط والإعجام في زماننا واجبان في المصحف، وأما في غير المصحف فعند خوف اللبس واجبان البتة لأنهما ما وضعا إلا لإزالته، وأما مع أمن اللبس فتركهما أولى سيما إذا كان المكتوب إليه أهلا» [2] .
وهذه الظاهرة تزيد من تعقيد مشكلة البحث عن بدايات الإعجام في الكتابة العربية وتجعل الدارس يتردد في إطلاق الحكم على انعدام الإعجام قبل الإسلام استنادا إلى النقوش المعدودة التي عثر عليها من كتابات تلك الفترة سيما أنها جميعا كانت نقوشا على الحجر وسطورا قلائل، ولم يعثر على كتابة جاهلية على الرق أو البردي مثلا، «فربما كان عدم النقط ناجما عن اطمئنان الكاتب إلى أن كلماته هذه المنقوشة في نجاة من التصحيف والخلط في القراءة لأنها أسماء أعلام وسنوات، وكلمات بينهما من اليسير معرفتها» [3] وقد ينطبق هذا الحكم بدرجة أقل على الكتابات العربية بعد الإسلام، لكن تواتر الأخبار ودلالة الوثائق المخطوطة تشيران إلى أن المصاحف العثمانية خالية من نقط الإعجام وعلامات الحركات، ولا نرى لذلك سببا إلا أن الكتابة العربية لم تكن تعرف ذلك في تلك الفترة، أو لم يكن قد عرف أو شاع استعماله إلى الدرجة التي تدفع إلى إدخاله في النص المكتوب مجرد احتمال ولا يصح ما يقال في سبب تجريد المصاحف من بقاء السعة في اللغات والفسحة في القراءات، وإذا كانت الروايات التاريخية تحدد فترة خلافة عبد الملك وولاية الحجاج على العراق لابتداء استخدام نقط
(1) كتاب الكتاب، ص 5، وانظر السيوطي: تدريب الراوي، ج 2، ص 68.
(2) مفتاح السعادة، ج 1، ص 81، وانظر حاجي خليفة: مج 1، عمود (713712) .
(3) د. ناصر الدين الأسد: ص 40، وانظر د. الطاهر أحمد مكي: ص 66.