حفظوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت أسماء بعضهم في فصل سابق [1] .
وكانت طريقة قراءة القرآن في هذه الفترة تشير إلى حرص كبير على الإتقان وتحري الدقة والضبط، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث [2] ، ولعل هذا بعد اكتمال نزول القرآن. وكان أبي بن كعب يختم القرآن في ثماني ليال، وكان تميم الداري يختمه في سبع [3] ، وسئلت أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصفت حرفا حرفا، وسئل أنس بن مالك عنها فقال: كان يمدّ صوته مدّا [4] .
وتشير طريقة تلقي الصحابة للقرآن من النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلك المعاني من الحرص على الإتقان وتحري الدقة والضبط، فقد روى عن أبي عبد الرحمن السلمي حديثا مشهورا يبين فيه تلك الطريقة، قال ابن مجاهد [5] : «وحدثونا عن يحيى بن أبي كثير، عن عطاء بن السائب قال: أخبرني أبو عبد الرحمن، قال: حدثني الذين كانوا يقرءوننا:
عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل فتعلموا القرآن والعمل جميعا»، والعشر المذكورة في هذه الرواية يقصد بها عشر آيات كما توضح ذلك روايات المصادر الأخرى لهذا الخبر [6] .
وقد مر في فصل سابق أن قراءة القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تتم في ظلال رخصة الأحرف السبعة، حتى أن بعض الصحابة أنكر قراءات سمعها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم صوّب
(1) انظر: الفصل الثاني، المبحث الثاني، ص 100، وانظر إلى جانب المصادر المذكورة هناك: أبو عبيد: فضائل القرآن، لوحة 53، والبنا الساعاتي: ج 18، ص 22، وابن النديم: ص 27، والذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 39، وسير أعلام النبلاء (له) ، ج 1، ص 242، وج 2، ص 245، وطاش كبرى زاده، ج 1، ص 348، ومحمد بخيت المطيعي: ص (43) .
(2) ابن سعد: مج 1، ص 376.
(3) نفس المصدر، مج 3، ص 500.
(4) نفس المصدر، مج 1، ص 376.
(5) كتاب السبعة، ص 69.
(6) انظر تلك الروايات: ابن سعد: مج 6، ص 172، والبنا الساعاتي: ج 18، ص 9، والحاكم: ج 1، ص 557، والذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 46و 48، وسير أعلام النبلاء (له) ، ج 1، ص 350.