فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 692

اليسير على ابن مجاهد أن يختار له قراءة يحملها عنه تلاميذه، لكنه لم يفعل ذلك وأبى حين طلب منه، على نحو ما ينقل تلميذه أبو طاهر بن أبي هاشم (ت 349هـ) حين يقول [1] : «سأل رجل ابن مجاهد لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفا يحمل عليه؟ فقال:

نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا».

وإذا كان أبو بكر بن مجاهد قد امتنع أن يختار حرفا ينسب إليه فإنه قد عمل على حفظ اختيارات أئمة القراءة، فاختار من كل مصر من الأمصار قراءة قارئ اشتهر بالحفظ والأمانة، وأطبق عليه أهل بلده، فعمل من ذلك كتاب السبعة وقد كان لعمل ابن مجاهد هذا أثره في تاريخ القراءات إلى اليوم، على نحو ما سنشير إلى ذلك بعد قليل.

وتدفع ظاهرة الاختيار إلى البحث عن المسوغات التي تجعل قارئا ما يرجح قراءة معينة من مروياته عن شيوخه، فالذين اختاروا من القراء إنما قرءوا لجماعة وبروايات، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار [2] ، فالاختيار لا يكون إلا مما رواه الأئمة، وقد كان عيسى بن عمر الثقفي (ت 149هـ) عالما بالنحو غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية يفارق العامة ويستنكرها الناس لذلك [3] ، ولعل أهم تلك المسوغات بعد ثبوت الرواية هو موافقة خط المصاحف العثمانية، خاصة بعد أن صارت هي معتمد الأمة، فما كان مخالفا للخط خارجا عليه قلّت روايته واتجه أئمة القراء إلى رواية ما وافق الخط والاختيار منه، يروي ابن مجاهد أن الكسائي قال:

السين في (الصراط) أسير في كلام العرب، ولكن أقرأ بالصاد اتبع الكتاب، الكتاب بالصاد [4] ، والمقصود بالكتاب هنا خط المصحف، وقد جاءت كلمة (سل) في قوله تعالى: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنََّا فِيهََا (82) } [يوسف] بالهمز وتركه، لكن يحيى بن زياد

(1) الذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 217.

(2) مكي: الإبانة، ص 49.

(3) علم الدين السخاوي: جمال القراء، ورقة 150ب.

(4) كتاب السبعة، ص 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت