لأن السنة تتّبع في القرآن ولا يلتفت فيه إلى غير الرواية الصحيحة التي قرأ بها القراء المشهورون بالضبط والثقة» ويقول في مكان آخر من كتابه [1] : «ولا ينبغي أن يقرأ بما يجوز إلا أن تثبت رواية صحيحة، أو يقرأ به كثير من القراء» .
وكل هذه الأخبار والروايات تؤكد معنى واحدا هو أن القراءات لم تكن نتيجة اجتهاد القراء أو إعمال فكرهم في حمل الكلام على ما هو أنسب [2] ، بل هي مروية عن الصحابة الذين أخذوا القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرءوا عليه، ويقول ابن الجزري [3] : «إن من يزعم أن أئمة القراءة ينقلون حروف القرآن من غير تحقيق ولا بصيرة ولا توقيف فقد ظن بهم ما هم منه مبرءون وعنه منزّهون» ، ويقول في موضع آخر «ونعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي، وهل يحل لمسلم القراءة بما يجد في الكتابة من غير نقل؟» [4] .
ولم يكن هذا الركن الأساسي أقوالا تردد على الأسنة وتسرد في الكتب بل إن وراءه جهدا كبيرا في تلقي القراءات وعرضها، ويكفي المرء أن ينظر في مقدمات الكتب المؤلفة في القراءات حيث يذكر المؤلفون أسماء الرواة والرجال الذين يروون عنهم ما يذكرون في كتبهم من قراءات ليجد مثلا أعلى من إحكام الضبط والتدقيق البالغ غايته [5] .
وقد عثرت على قطعة من كتاب (القراءات) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) أوردها علم الدين السخاوي (ت 643هـ) في كتابه جمال القراء [6] ، يتحدث فيها عن طبقات القراء من زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى زمانه، ولعل هذه القطعة هي مقدمة كتاب القراءات لأبي عبيد، وهي مهمة جدا في بيان تاريخ القراءات في القرنين الأول والثاني الهجريين، وبيان كيف نقلت القراءات، والأئمة الذين انتصبوا لقراءتها وروايتها في كل
(1) نفس المصدر، ص 13.
(2) انظر ابن تيمية: الفتاوى، ج 1، ص 319.
(3) النشر، ج 2، ص 214.
(4) ابن الجزري: النشر، ج 2، ص 263.
(5) انظر د. عبد الفتاح شلبي: رسم المصحف، ص 47.
(6) من ورقة (148ب 150ب) .