وكان من قراء الكوفة: يحيى بن وثاب (103) وعاصم بن أبي النجود (128) والأعمش (148) وكان أقدم الثلاثة وأعلاهم يحيى، يقال أنه قرأ على عبيد بن نضيلة صاحب عبد الله. ثم تبعه عاصم. وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش. ثم كان الأعمش فكان إمام الكوفة المقدّم في زمانه عليهم حتى بلغ إلى أن قرأ عليه طلحة بن مصرّف، وكان أقدم من الأعمش، فهؤلاء هم رؤساء الكوفة في القراءة، ثم تلاهم حمزة بن حبيب الزيات رابعا (156) . وهو الذي صار أعظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن تطبق عليه جماعتهم. وكان ممن اتبع حمزة في قراءته
سليم بن عيسى وممن وافقه. وكان ممن فارقه أبو بكر بن عياش فإنه اتبع عاصما وممن وافقه.
وأما الكسائي (189) فإنه كان يتخيّر القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا. فهؤلاء قراء أهل الكوفة.
وكان من قراء أهل البصرة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (117) وأبو عمرو بن العلاء (154) وعيسى بن عمر الثقفي (149) . وكان أقدم الثلاثة ابن أبي إسحاق وكانت قراءته مأخوذة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية يفارق قراءة العامة، ويستنكرها الناس، وكان الغالب عليه حبّ النصب ما وجد إلى ذلك سبيلا، قوله حمالة الحطب، والزانية والزاني، والسارق والسارقة، وكذلك قوله: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم.
والذي صار إليه أهل البصرة في القراءة فاتخذوه إماما أبو عمرو بن العلاء، فهؤلاء قراء أهل البصرة، وقد كان لهم رابع، وهو عاصم الجحدري (128) لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة.
وكان من قراء أهل الشام عبد الله بن عامر اليحصبي (118) ويحيى بن الحارث الذماري (145) وثالث قد سمي لي بالشام ونسيت اسمه. فكان أقدم هؤلاء الثلاثة عبد الله بن عامر وهو إمام أهل دمشق في دهره، وإليه صارت قراءتهم ثم اتبعه يحيى بن الحارث، وخلفه في القراءة وقام مقامه. وقد ذكروا الثالث بصفة لا أحفظها.
فهؤلاء قراء أهل الأمصار الذين كانوا بعد التابعين».
وقد عقب السخاوي على ما نقله عن أبي عبيد بقوله: «قلت هو أبو خليد بن سعد [1]
صاحب أبي الدرداء، ولكن أطبق أهل الشام على ابن عامر، يحيى بن الحارث وأهل الآفاق. ورجع يحيى إلى قراءته والنقل عنه والتعويل عليه. وهذا الذي ذكره أبو عبيد رحمه الله يعرفك كيف كان هذا الشأن من أول الإسلام إلى آخر ما ذكره، فلما كان العصر الرابع سنة ثلاث مائة وما قاربها كان أبو بكر بن مجاهد رحمه الله قد انتهت إليه الرئاسة في علم القراءة، وتقدم في ذلك على أهل ذلك العصر اختار من القراءات ما
(1) سمّاه ابن الجزري (غاية النهاية، ج 1، ص 606) خليد بن سعد.