وفي نهاية القرن الهجري الثالث وأوائل الرابع اختار ابن مجاهد قراءة سبعة من قراء الأمصار لم يكونوا ممن عاصرهم ولكنهم ممن اشتهرت قراءتهم ولا يزال الناس يقرءون بها ويروونها حتى عصره، وألف كتابه المشهور في القراءات السبعة. وقد كان ابن مجاهد مشهورا بالعلم والقراءات والتقدم فيها، قال ابن النديم [1] : «آخر من انتهت إليه الرئاسة بمدينة السلام في عصره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، وكان واحد عصره غير مدافع، وكان مع فضله وعلمه وديانته ومعرفته بالقراءات وعلوم القرآن حسن الأدب رقيق الخلق كثير المداعبة. ثاقب الفطنة، ومولده سنة خمس وأربعين ومائتين وتوفي يوم الأربعاء، لليلة بقيت من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاث مائة» .
ووصفه الذهبي بأنه (شيخ العصر) [2] . وقال عنه ابن الجزري (شيخ الصنعة وأول من سبّع السبعة) [3] .
وقد بين مكي بن أبي طالب الحاجة إلى العمل الذي قام به ابن مجاهد، وسبب اشتهاره بقوله: «إن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد كثيرا في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر، فكان أبو عمرو من أهل البصرة، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها. والكسائي من أهل العراق، وابن كثير من أهل مكة، وابن عامر من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة. كلهم ممن اشتهرت إمامته، وطال عمره في الإقراء، وارتحال الناس إليه من البلدان. وأول من اقتصر على هؤلاء أبو بكر بن مجاهد قبل سنة ثلاث مائة أو في نحوها، وتابعه على ذلك من أتى بعده إلى
(1) الفهرست، ص 31.
(2) معرفة القراء، ج 1، ص 216.
(3) غاية النهاية، ج 1، ص 139.