المصحف واصطلاح الكتاب في غير هذين» [1] . وتحدث ابن خلدون في مقدمة تأريخه عن الكتابة العربية بأسلوب يوحي أنه كانت هناك طريقتان للكتابة في زمن نسخ المصاحف الأئمة، الأولى ما كتب في المصاحف والثانية ما يجري عليه الكتاب في غير ذلك [2] .
والحقيقة أن هناك خطأ وقع فيه كثير من الدارسين حين نظروا إلى الرسم العثماني من خلال القواعد التي وضعها علماء العربية. واعتقدوا أن الكتابة العربية كانت في النصف الأول من القرن الهجري الأول على نحو ما نجده في كتب علماء العربية عن الهجاء، ومن ثم فقد اعتبروا ما جاء في الرسم العثماني من ظواهر كتابية خروجا على تلك القواعد واعتبرها بعضهم خطأ واكتفى آخرون بالقول بأن الرسم لا يقاس عليه ولا يخالف «ولكنه يتلقى بالقبول على ما أودع المصحف» [3] .
وقد ظل الرسم المصحفي نموذجا يلتزمه كثير من الكتاب في رسم بعض الكلمات في القرون الهجرية الأولى يدل على ذلك ما نجده من إشارات في بعض الكتب المتقدمة من حرص الكتاب على التزام صور هجاء الكلمات في الرسم في ما يكتبون.
فقد ذكر ابن قتيبة (ت 276هـ) عن كتابة (الصلاة والزكوة والحيوة) بالواو فقال [4] :
«ولولا اعتياد الناس لذلك في هذه الأحرف الثلاثة وما في مخالفة جماعتهم لكان أحب الأشياء إليّ أن يكتب هذا كله بالألف» . وأشار إلى هذا المعنى الزجاجي (ت 340هـ) أيضا [5] . وتحدث ابن قتيبة عن الألف التي تزاد بعد الواو المتطرفة وقال [6] : «غير أن متقدمي الكتاب لم يزالوا على ما أنبأتك من إلحاق ألف الفصل بهذه الواوات كلها ليكون الحكم في كل موضع واحدا [7] . وهذه إشارات تدل على أن كل ما نجده في
(1) السيوطي: همع الهوامع، ج 2، ص 243.
(2) انظر: تاريخ ابن خلدون، مج 1، ص 757.
(3) انظر: المبحث الثاني من الفصل الثالث في موقف علماء السلف من ظواهر الرسم.
(4) أدب الكاتب، ص 253.
(5) الجمل، ص 276.
(6) أدب الكاتب، ص 237.
(7) انظر: نفس المصدر ص 251و 263و 268، حيث يذكر أمثلة أخرى مماثلة.