خامسا: لم يكن لطبيعة الرسم العثماني أثر في تعدد وجوه القراءة، وإنما كان الرسم وسيلة لحفظ القراءات الثابتة النقل، إذ أن تلك الوجوه المختلفة لم يكن لها إلا سبب واحد ومصدر واحد، هو التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل من يزعم أن الرسم كان سببا في وجود بعض القراءات التي يرويها علماء القراءة مخطئ، أو جاهل بتاريخ القرآن
والقراءات وبحكمة تلك الوجوه، أو أنه ضال ذو غرض يتبع هواه، وليس فيما يروى عن حماد الراوية، أو عمّن سواه ممن لا صلة له بنقل القرآن، من أنه صحّف بعض الكلمات حينما قرأ في المصحف حجة في ذلك إطلاقا.
سادسا: إن هجاء الكلمات في كتابتنا اليوم لا يختلف عما جاء في الرسم المصحفى سوى أننا نشير إلى الفتحة الطويلة في كافة مواضع ورودها رغم احتفاظ عدد محدود من الكلمات بصور هجائها القديمة ثم إننا نحاول في كتابتنا توحيد رسم الكلمات على قاعدة أن الأصل هو كتابة الكلمة بحروف هجائها مبدوءا بها وموقوفا عليها، ولم يؤد ذلك إلا إلى تغيير هجاء بعض الكلمات، مما نجده في الرس العثماني مكتوبا على أكثر من قاعدة، تغييرا محدودا.
وأخيرا فإن الرسم المصحفي كان ذا أثر كبير في بلوغ الكتابة العربية هذه الدقة في تمثيل أصوات اللغة، ولولا جهود علماء السلف والعربية لما تحقق للكتابة العربية هذا المستوى الذي يطمح إليه كثير من الكتابات في تمثيل الأصوات المنطوقة وهكذا فكما كان للقرآن الكريم أثره العميق في حياة العرب كان له أثره المماثل في لغتهم وكتابتهم بما هيأها لأن تكون لغة وكتابة عالمية يعتز بها كل مسلم.
ولا بد لي، بعد عرض نتائج البحث هذا العرض الموجز، أن أوكد ما أجمع عليه علماء السلف والخلف من وجوب المحافظة على رسم المصاحف العثمانية فيما ينسخ ويطبع من مصاحف، لا لأنه توقيف، إذ لم يثبت ذلك بنص، على ما أعرف، والشواهد تدل على أن الصحابة كتبوا القرآن بكتابتهم التي كانوا يستخدمونها في كافة أمور حياتهم، بل لأنه:
أولا: أثر كريم من أيد كريمة، يتحسس قارئ القرآن من خلاله حرّ أنفاس الصحابة رضوان الله عليهم وهم يخطّون القرآن الكريم في المصاحف لأول مرة منذ ما يقارب أربعة عشر قرنا من الزمان.
ثم إن الرسم العثماني صار أحد الشروط الثلاثة التي يجب تحققها في كل قراءة لتعد صحيحة تجوز القراءة بها، وإذا ما غيرنا هجاء بعض الكلمات في الرسم فسوف يختل ركن مهم من أركان القراءة الصحيحة، ويؤدي ذلك إلى خلل أو تضييع، ولا تمنع المحافظة على هجاء الكلمات كما جاءت في المصاحف العثمانية من ضبط المصاحف
على أي من القراءات الصحيحة، كما نجد ذلك في المصاحف المطبوعة في مصر اليوم على رواية حفص أو ورش.