فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 692

ثم إن الرسم العثماني صار أحد الشروط الثلاثة التي يجب تحققها في كل قراءة لتعد صحيحة تجوز القراءة بها، وإذا ما غيرنا هجاء بعض الكلمات في الرسم فسوف يختل ركن مهم من أركان القراءة الصحيحة، ويؤدي ذلك إلى خلل أو تضييع، ولا تمنع المحافظة على هجاء الكلمات كما جاءت في المصاحف العثمانية من ضبط المصاحف

على أي من القراءات الصحيحة، كما نجد ذلك في المصاحف المطبوعة في مصر اليوم على رواية حفص أو ورش.

وإلى جانب ذلك فإن الرسم قد يدل على معان دقيقة في مجال دراسة اللغة والكتابة والقراءات، ولو ظل الرسم المصحفي يتغير كلما تغيرت طريقة كتابة الكلمات في أيدي الكتّاب لفوّت ذلك على الدارسين معاني كثيرة يمكن أن تستفاد من صور هجاء الكلمات كما جاءت في الرسم العثماني، فرسم كلمة (العلماء) في قوله تعالى: إنّما يخشى الله من عباده العلموا (28) [فاطر] بالواو، بدل الألف، يدل على أن الصحابة حين كتبوا هذه الكلمة كانوا يقرءونها بالضم، كذلك فإن رسم الهمزة في الرسم العثماني يدل بصورة عامة على قراءتها بالتسهيل، إلى غير ذلك من الظواهر الكتابية، ولا يعني ذلك أن الرسم هو المعتمد في تحقيق ألفاظ التلاوة، إلا أن الرسم مع ذلك قادر على أن يشير إلى قراءة معينة من بين القراءات المروية الموافقة للرسم على أنها القراءة التي قصدها كتبة المصحف حين رسموا الكلمة المعينة.

وأخيرا فإن الرسم المصحفي بصورته التي نجدها اليوم في المصاحف لا يعجز كل من عرف القراءة والكتابة بدرجة مناسبة أن يقرأه دون أن يخطئ، مع أن في القراءة شيئا أكثر من كون الحرف متحركا أو ساكنا لا تحكمه الكتابة، لا بد أن يضبط عن القراء، والرسم العثماني بعد ذلك لا يختلف عن كتابتنا سواء في هجاء الكلمات أو علامات الحركات إلا في كلمات يسيرة معلومة، زيد في هجائها حرف أو نقص منه حرف، وقد بيّن علماء الرسم والضبط تلك المواضع بعلامات لا يضل من عرفها، ولا أعتقد أن أحدا صحت عزيمته على قراءة كلام رب العالمين يجد صعوبة في الرسم المصحفي المكتوب في المصاحف التي بأيدي الناس اليوم، بعد تلك الجهود الكبيرة التي خدم بها علماء السلف النص الكريم.

ولعل بلوغ هذا الشوط من البحث يشفع لي أن أتقدم باقتراحين اثنين أرجو أن تكون في تحققهما فائدة وإضافة جديدة:

الأول: إعادة دراسة الإملاء العربي الذي نكتب به اليوم على ضوء علاقته بالرسم المصحفي، فهو مرحلة لاحقة للرسم العثماني، وهذه الدراسة تمكننا من تقديم فهم صحيح لظواهره الهجائية، إلى جانب أنها تتيح كتابة تاريخ أقرب إلى الواقع للكتابة

العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت