يتخذه إماما لا يلتمس له أقدم أهل عصره حفظا وأفهمهم وأشجعهم، وإنما يلتمس أحسنهم ضبطا وخطا، وأحضرهم فهما، دون من كانت تلك صفاته.
ومن ثم يبدو طبيعيا أيضا ألا يشترك عبد الله بن مسعود، الذي كان في الكوفة وقت نسخ المصاحف في ذلك العمل [1] . إضافة إلى أنه لم يكن من بين كتبة الوحي [2]
الذين كتبوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ربما كان يعرف الكتابة، لكن تلك ميزة يقدم من اتصف بها في عمل مثل كتابة المصحف. ولا يعني ذلك تجهيلا لابن مسعود في علم القرآن، فقد كان من أوائل الذين أسلموا بمكة، وقد أخذ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة [3] . وهو الذي قال فيه النبي حين سمعه يقرأ القرآن «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد» [4] . لكن زيدا كان إماما في الرسم إضافة إلى حفظه وابن مسعود كان إماما في الأداء [5] . وربما ألقت قصة رفض ابن مسعود في البداية إحراق مصحفه ظلالا على ما قيل في عدم إشراكه في نسخ المصاحف وعزله من ذلك العمل مما سنشير إليه بعد قليل.
أما الثلاثة الذين تشير الرواية إلى اشتراكهم مع زيد فهم: عبد الله بن الزبير الذي ولد في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة، وهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين بالمدينة، وقتل بمكة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة [6] . وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية ولد عام الهجرة وتوفي سنة تسع وخمسين، وكان سعيد هذا أحد أشراف قريش ممن جمع السخاء والفصاحة، واستعمله عثمان على الكوفة وغزا بالناس طبرستان فافتتحها [7] . والثالث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، كان ابن عشر سنين
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 349. وانظر: ابن سعد، ج 6، ص 13.
(2) انظر أسماء كتاب النبي وكتبة الوحي في المصادر المذكورة في ص 49.
(3) ابن سعد، ج 2، ص 344.
(4) الذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 35. وانظر ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، القاهرة، مكتبة الخانجي، ص 193، ج 1، ص 459.
(5) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 249.
(6) ابن عبد البر: ج 3، ص 905و 907.
(7) نفس المصدر، ج 2، ص (624621) . وانظر أيضا: ابن حجر: ج 10، ص 393.