وذكر الطبراني في «معجمه» من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: ولما كان من أمر عقدي ما كان، قال أهل الإفك ما قالوا، فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس، ولقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال لي: يا بنية، في كل سفر تكونين عناء وبلاء، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم [1] . وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهر، ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه، فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى، ونحن نشير إلى قصة الإفك.
وذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه، فلما رجعوا من الغزوة، نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ثم رجعت، ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها، فظنوها فيه، فحملوا الهودج، ولا ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن، لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها، وأيضا، فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج، لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين، لم يخف عليهما الحال، فرجعت عائشة إلى منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس بها داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها، فيرجعون في طلبها، والله غالب على أمره، يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها، فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش، لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في الصحيح «صحيح أبي حاتم» وفي «السنن» فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع، وأناخ راحلته، فقربها إليها، فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ذلك الناس، تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبيّ متنفسا، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه، ويذيعه، ويجمعه، ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه، فلما قدموا المدينة، أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، ثم استشار
(1) الطبراني في الكبير (23/ 121) (159) .