فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 490

أصحابه في فراقها، فأشار عليه عليّ رضي الله عنه أن يفارقها، ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء فعليّ لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه، أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين لتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الداء، وأسامة لما علم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها، وعلم من عفتها وبراءتها، وحصانتها وديانتها ما هي فوق ذلك، وأعظم منه، وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه ومنزلته عنده، ودفاعه عنه، أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء، وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها بها أرباب الإفك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه، وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا، وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربها أن يبتليها بالفاحشة، وهي تحت رسوله، ومن قويت معرفته لله ومعرفته لرسوله وقدره عند الله في قلبه، قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة، لما سمعوا ذلك: {سُبْحََانَكَ هََذََا بُهْتََانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] .

وتأمل ما في تسبيحهم لله، وتنزيههم لهم في هذا المقام من المعرفة به، وتنزيهه عما لا يليق به، أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة خبيثة بغيا، فمن ظن به سبحانه هذا الظن، فقد ظن به ظن السوء، وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها، كما قال تعالى: {الْخَبِيثََاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26] ، فقطعوا قطعا لا يشكون فيه أن هذا بهتان عظيم، وفرية ظاهرة.

فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها، وسأل عنها، وبحث، واستشار، وهو أعرف بالله، وبمنزلته عنده، وبما يليق به، وهلا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، كما قاله فضلاء الصحابة؟

فالجواب أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببها لها، وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بهذه القصة أقواما، ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها، لا يوحى إليه في ذلك شيء لتتم حكمته التي قدرها وقضاها، وتظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق، وحسن الظن بالله ورسوله، وأهل بيته، والصديقين من عباده، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها

ومن أبويها، والافتقار إلى الله والذلّ له، وحسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفت هذا المقام حقه، لما قال لها أبوها: قومي إليه، وقد أنزل الله عليه براءتها، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت