فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 490

ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا دائما في حياته وفي مماته، وابتلاء بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصية، وظلموا أهل بيته، وسلبوهم حقهم، وأذلوهم، وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه، وأهل الحق، وهو يرى قهرهم لهم، وغضبهم إياهم حقهم، وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يديلهم، بل يديل أعداءهم عليهم أبدا، أو أنه لا يقدر على ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئة، ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته، تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضة، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، سواء قالوا: إنه قادر على أن ينصرهم، ويجعل لهم الدولة والظفر، أو أنه غير قادر على ذلك، فهم قادحون في قدرته، أو في حكمته وحمده، وذلك من ظن السوء به، ولا ريب أن الرب الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن به ذلك غير محمود عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك، لكن رفوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه، واستجاروا من الرمضاء بالنار. فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصر أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال عباده، ولا هي داخلة تحت قدرته، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم، وكل مبطل، وكافر، ومبتدع مقهور مستذل، فهو يظن بربه هذا الظن، وأنه أولى بالنصر والظفر، والعلو من خصومه، فأكثر الخلق، بل

كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته، لرأيت عنه تعتبا على القدر وملامة له، واقتراحا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك، هل أنت سالم من ذلك؟

فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا

فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، والمنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته، وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك، كلها حكمة ومصلحة، ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى.

والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله: {وَطََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللََّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجََاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] ، ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل، وهو قولهم: {هَلْ لَنََا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154] ، وقولهم: {لَوْ كََانَ لَنََا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مََا قُتِلْنََا هََاهُنََا} [آل عمران: 154] ، فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر، ورد الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ} [آل عمران: 154] ، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم يسمعون منهم، لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ} ، فلا يكون إلا ما سبق به قضاءه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بد، شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن، شاءه الناس أم لم يشاءوه، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل، فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى

دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء، أو لم يكن لكم، وأنكم لو كنتم في بيوتكم، وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد، سواء كان لهم من الأمر شيء، أو لم يكن، وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة، الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت