فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 490

والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله: {وَطََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللََّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجََاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] ، ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل، وهو قولهم: {هَلْ لَنََا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154] ، وقولهم: {لَوْ كََانَ لَنََا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مََا قُتِلْنََا هََاهُنََا} [آل عمران: 154] ، فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر، ورد الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ} [آل عمران: 154] ، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم يسمعون منهم، لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ} ، فلا يكون إلا ما سبق به قضاءه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بد، شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن، شاءه الناس أم لم يشاءوه، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل، فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى

دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء، أو لم يكن لكم، وأنكم لو كنتم في بيوتكم، وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد، سواء كان لهم من الأمر شيء، أو لم يكن، وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة، الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع.

فصل ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير، هي ابتلاء ما في صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا وتسليما، والمنافق ومن في قلبه مرض، لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه.

ثم ذكر حكمة أخرى: وهو تمحيص ما في قلوب المؤمنين، وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه، فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزين الشيطان، واستيلاء الغفلة ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة، لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص منه، فاقتضت حكمة العزيز أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه من الفساد والهلاك، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم، تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا.

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم، فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا، فكانت أعمالهم جندا عليهم، ازداد بها عدوهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه، ولا بد فللعبد كل وقت سرية من نفسه تهزمه، أو تنصره، فهو يمد عدوه فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر، والعبد لا يشعر، أو يشعر ويتعامى، ففرار الإنسان من عدوه، وهو يطيقه إنما هو جند من عمله، بعثه له الشيطان واستزله به.

ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم، لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، وإنما كان عارضا، عفا الله عنه، فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها، ثم كرر عليهم سبحانه: أن هذا الذي أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم، وبسبب أعمالهم، فقال:

{أَوَلَمََّا أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهََا قُلْتُمْ أَنََّى هََذََا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللََّهَ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (165) [آل عمران] . وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك من السور المكية، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت