فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 490

والمقصود بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبهة به وهو مشبه بها، وإذا كانت النخلة شجرة طيبة، فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك، ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة.

وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علم الذي تكلم به وحكمته.

فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر، كذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به، فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة، والأخلاق الزكية والسمت الصالح، والهدي والدل المرضي. فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور. فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله، والإخلاص قائم في القلب، والأعمال موافقة للأمر والهدي، والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض، ما لها من قرار.

ومنها: أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها، فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع، والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس.

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم» [1] .

وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك. ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظفها عليها، وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلبهم.

ومنها: أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أن يخالطه دغل ونبت

(1) عند أحمد من قوله «جددوا إيمانكم» دون أوله (8695) ، وقال الهيثمي في المجمع (1/ 57) : «إسناده جيد وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان» ، ورواه الحاكم (1/ 4) وانظر الصحيحة للألباني (1585) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت