فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 490

فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت، ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت، وفعل ما أمر به العبد، فبهما يثبت الله عبده، فكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مََا يُوعَظُونَ بِهِ لَكََانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] .

فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا، والقول الثابت: هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة. ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس، وأشجعهم قلبا، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا وأقلهم ثباتا. وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار، وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة.

وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به، فقال: والله ما فهمت منه شيئا إلا أني رأيت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل. فما منح العبد منحة أفضل من منحه القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم، ويوم معادهم، كما في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر» [1] .

وقد جاء هذا مبينا في أحاديث صحاح، فمنها ما في المسند من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال: «يا أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك بيده مطراق فأقعده، فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، فيفتح له باب إلى النار، فيقال له: هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت، فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض له، فيقال له: اسكن، ثم يفسح له في قبره، وأما الكافر [أو] المنافق: فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما

(1) حديث صحيح عند مسلم (5/ 723722) وقد سبق تخريجه، فلا تغتر أخي القارئ بكلام الجهال منكري الأمر، والذي خالف كل من تكلم في باب العقيدة من أهل السنة، ولا تنسى أنك في زمان كثر فيه القول بلا علم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت