الرابع عشر: التصريح بلفظ «الأين» ، الذي هو عند الجهمية بمنزلة «متى» في الاستحالة، ولا فرق بين اللفظين عندهم البتة، فالقائل: أين الله؟ ومتى كان الله؟ عندهم سواء، كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته وأعظمهم بيانا عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلا بوجه: «أين الله؟» [1] في غير موضع.
الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال: إن ربه في السماء بالإيمان، وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر، وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان، فقال في كتاب في باب: عتق الرقبة المؤمنة، وذكر حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية، وبيضت وجوه المحمدية فلما وصفت الإيمان قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة» ، وهي إنما وصفت كون ربها في السماء، وأن محمدا عبده ورسوله، فقرنت بينهما في الذكر، فجعل الصادق المصدق مجموعها هو الإيمان.
السادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره به من أنه فوق السموات، فقال: {يََا هََامََانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبََابَ (36) أَسْبََابَ السَّمََاوََاتِ فَأَطَّلِعَ إِلى ََ إِلََهِ مُوسى ََ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كََاذِبًا} (37) [غافر: 36، 37] ، فكذب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء. وعند الجهمية: لا فرق بين الإخبار بذلك، وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب، وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به، وكذب موسى في إخباره بذلك، إذ من قال عندهم: إن ربه فوق السموات فهو كاذب، فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون، مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء.
ولذلك سماهم أئمة السنة: فرعونية، قالوا: وهم شر من الجهمية، فإن الجهمية يقولون: إن الله في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض. فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه، كان قولهم خيرا من قولهم.
السابع عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى، وبين الله، ويقول له موسى: «ارجع إلى ربك، فسله التخفيف» [2] ، فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى، فيأمره بالرجوع إليه سبحانه
(1) يشير إلى حديث معاوية بن الحكم السلمي وصفعه لجاريته فأراد أن يعتقها فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فسألها:
«أين الله؟» قالت: في السماء، قال من أنا، قالت: أنت رسول الله إلخ.
أخرجه مسلم (836) في المساجد، ورواه غير واحد من أئمة الحديث.
(2) مسلم (162/ 259) في الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات.