فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 490

ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب «الناسخ والمنسوخ» ، قال: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب، قال: كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيليا كما يعظمها أهل بيته، قال: فسرت معه وهو ولي عهد، قال: ومعه خالد بن يزيد بن معاوية فقال سليمان وهو جالس فيه: والله إن في هذه القبلة التي صلى إليها المسلمون والنصارى لعجبا كذا رأيته، والصواب اليهود قال خالد بن يزيد: أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله الله

على محمد صلى الله عليه وسلم، وأقرأ التوراة، فلم تجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة، فلما غضب الله عز وجل على بني إسرائيل رفعه، فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم.

وروى أبو داود أيضا أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: إن موسى كان يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام فكانت الكعبة قبلته، وكانت الصخرة بين يديه. وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة، انتهى.

قلت: وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة، وهي: أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوفيق من الله، بل كان عن مشورة منهم واجتهاد.

أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا.

وهم مقرون بذلك ومقرون أن قبلة المسيح كانت قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة.

إنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة، وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام، وأن ما حللوه وحرموه فقد ح لله هو وحرمه في السماء. فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبدا، والمسلمون شاهدون عليهم بذلك.

وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة، إنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة.

وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طور لهم بأرض الشام يعظمونه ويحجون إليه، ورأيته أنا وهو في بلد نابلس وناظرت فضلاءهم في استقباله. وقلت: هو قبلة باطلة مبتدعة، فقال مشار إليه في دينهم: هذه هي القبلة الصحيحة، واليهود أخطئوها لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا، ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله، فقلت له: هذا خطأ قطعا على التوراة، لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل، فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها، وإنما تلقيتموها عنهم، وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها، فقال لي: صدقت، إنما هو في توراتنا خاصة، قلت له: فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد

كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموها أنتم وحفظتم النص بها! فلم يرجع إلى الجواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت