فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 490

وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طور لهم بأرض الشام يعظمونه ويحجون إليه، ورأيته أنا وهو في بلد نابلس وناظرت فضلاءهم في استقباله. وقلت: هو قبلة باطلة مبتدعة، فقال مشار إليه في دينهم: هذه هي القبلة الصحيحة، واليهود أخطئوها لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا، ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله، فقلت له: هذا خطأ قطعا على التوراة، لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل، فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها، وإنما تلقيتموها عنهم، وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها، فقال لي: صدقت، إنما هو في توراتنا خاصة، قلت له: فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد

كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموها أنتم وحفظتم النص بها! فلم يرجع إلى الجواب.

قلت: وهذا كله مما يقوي أن يكون الضمير في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهََا}

راجعا إلى {وَلِكُلٍّ} أي هو موليها وجهه، ليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها.

الثاني: أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية وإن كان مذكورا فيما قبلها، ففي إعادة الضمير إليه دون «كلّ» رد الضمير إلى غير من هو أولى به، ومنعه من القريب منه اللاحق به.

الثالث: أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال: هو موليه إياها، هذا وجه الكلام كما قال تعالى: {نُوَلِّهِ مََا تَوَلََّى} [النساء: 115] فوجه الكلام أن يقال: ولاه القبلة، لا يقال: ولي القبلة إياه، فتأمله.

وقول أبي القاسم: أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثا ردا على الطوائف الثلاث، ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك.

والذي يظهر فيه أنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخا للاستقبال الأول فقال: {قَدْ نَرى ََ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمََاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرََامِ وَحَيْثُ مََا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] ، ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم، حيث يجدونه في كتبهم كذلك. ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم، وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته، ولا هو أيضا بتابع قبلتهم، ولا بعضهم بتابع قبلة بعض، ثم حذره من اتباع أهوائهم، ثم كرر معرفة أهل الكتاب به، كمعرفتهم بأبنائهم، وأنهم ليكتمون الحق عن علم.

ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربه، فلا يلحقه فيه امتراء.

ثم أخبر أن لكل من الأمم وجهة هو مستقبلها وموليها وجهة، فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات.

ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ، ثم أعاد الأمر به غير مكرر له تكررا محضا، بل في ضمنه أمرهم باستقبالها حيثما كانوا، كما أمرهم باستقبالها أولا حيثما كانوا عند النسخ وابتداء شرع الحكم، فأمرهم باستقبالها حيثما كانوا عند شرع الحكم وابتداءه وبعد.

المحاجة والمخاصمة والحكم لهم وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم فذكر الأمر

بذلك في كل موطن لاقتضاء السياق له فتأمله، والله أعلم (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت