فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 490

{الطَّوْلِ} [غافر: 31] ، فأتي بالواو في الوصفين الأولين وحذفها في الوصفين الأخيرين لأن غفران الذنب وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما فمن غفر الذنب قبل التوب، فكان في عطف أحدهما على الآخر، ما يدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران، ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمه. أحدهما يتعلق بالإساءة والاعتراض وهو المغفرة. والثاني يتعلق بالإحسان والإقبال على الله، والرجوع إليه وهو التوبة، فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة، وحسن العطف هاهنا هذا التغاير الظاهر وكلما كان التغاير أبين، كان العطف أحسن، ولهذا جاء العطف في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظََّاهِرُ وَالْبََاطِنُ}

[الحديد: 3] ، وترك في قوله: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلََامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [غافر: 3] ، فترك العطف بينهم لنكتة بديعة، وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطول، وطوله لا ينافي شدة عقابه، بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية، ولهذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء» [1] . فأوليته وآخريته أبديته.

فإن قلت فما تصنع بقوله: {وَالظََّاهِرُ وَالْبََاطِنُ} فإن ظهوره تعالى ثابت مع بطونه، فيجتمع في حقه الظهور والبطون، والنبي صلى الله عليه وسلم فسر الظاهر بأنه الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهذا العلو والفوقية مجامع لهذا القرب والدنو والإحاطة.

قلت: هذا سؤال حسن، والذي حسن دخول الواو هاهنا أن هذه الصفات متقابلة متضادة، وقد عطف الثاني منهما على الأول للمقابلة التي بينهما، والصفتان الأخريان كالأولين في المقابلة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخر إلى الأول، فكما حسن العطف بين الأولين حسن بين الأخريين.

فإذا عرف هذا فالآية التي نحن فيها يتضح بما ذكرناه معنى العطف وتركه فيها لأن كل صفة لم تعطف على ما قبلها، كان فيه تنبيه على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد، فلم يحتج إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما متلازمان مستمدان من مادة واحدة، حسن العطف ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حدته، مطلوب تعيينه، لا يكتفي فيه بحصول الوصف الآخر، بل لا بد أن يظهر أمر بالمعروف بصريحه ونهيه عن المنكر بصريحه، وأيضا فحسن العطف هاهنا ما تقدم من التضاد، فلما كان

(1) مسلم (2713/ 61) في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت