الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضدين أحدهما طلب الإيجاد، والآخر طلب الإعدام، كانا كالنوعين المتغايرين المتضادين فحسن لذلك العطف.
الموضع الثاني: قوله تعالى: {عَسى ََ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوََاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمََاتٍ مُؤْمِنََاتٍ} ، إلى قوله: {ثَيِّبََاتٍ وَأَبْكََارًا} [التحريم: 5] ، فقيل: هذه واو الثمانية، لمجيئها بعد الوصف السابع، وليس كذلك، ودخول الواو هاهنا متعين لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء، وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما، فتعين العطف لأن المقصود أن يزوجه بالنوعين: الثيبات والإبكار.
الموضع الثالث: قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلََاثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سََادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] قيل: المراد إدخال الواو هاهنا لأجل الثمانية. وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: هذا. والثاني: أن يكون دخول الواو هاهنا إيذانا بتمام كلامهم عند قولهم: سبعة ثم ابتدأ قوله: {وَثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} ، وذلك يتضمن تقرير قولهم (سبعة) ، كما إذا قال لك: زيد فقيه فقلت: ونحوي، وهذا اختيار السهيلي. وقد تقدم الكلام عليه وأن هذا إنما يتم إذا كان قوله: {وَثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} ليس داخلا في المحكي بالقول، والظاهر خلافه. والله أعلم.
الموضع الرابع: قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَفُتِحَتْ أَبْوََابُهََا} [الزمر: 71] ، لما كانت سبعة. وهذا في غاية البعد، ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها، بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة، وهي أن تفتيح أبواب النار كان حال موافاة أهلها، ففتحت في وجوههم، لأنه أبلغ في مفاجأة المكروه. وأمّا الجنة فلما كانت ذات الكرامة وهي مأدبة الله، وكان الكريم إذا دعا أضيافه إلى داره شرع لهم أبوابها، ثم استدعاهم إليها مفتحة الأبواب، أتي بالواو العاطفة هنا الدالة على أنها جاءوها بعد ما فتحت أبوابها، وحذف الجواب تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره، كعادتهم في حذف الأجوبة [1] .
وكذلك القاعدة أن الشيء لا يعطف على نفسه لأن حروف العطف بمنزلة تكرار العامل، لأنك إذا قلت: قام زيد وعمرو، فهي بمعنى قام زيد وقام عمرو. والثاني غير الأول فإذا وجدت مثل قولهم: كذبا ومينا، فهو لمعنى زائد في اللفظ الثاني وإن خفي عنك. ولهذا
(1) بدائع الفوائد (3/ 5551) .