يبعد جدا أن يجيء في كلامهم: جاءني عمر وأبو حفص، ورضي الله عن أبي بكر وعتيقه، فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء الواحد، فإذا كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم الأول كنت مخيرا في العطف وتركه، فإن عطفت فمن حيث قصدت تعداد الصفات وهي متغايرة وإن لم تعطف فمن حيث كان في كل منهما ضمير هو الأول فعلى الوجه الأول تقول: زيد فقيه شاعر كاتب. وعلى الثاني: فقيه وشاعر وكاتب. كأنك عطفت بالواو الكتابة على الشعر. وحيث لم تعطف اتبعت الثاني الأول، لأنه هو هو من حيث اتحد الحامل للصفات.
وأما في أسماء الرب تبارك وتعالى فأكثر ما يجيء في القرآن بغير عطف نحو:
{السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلََامُ} ، إلى آخرها. وجاءت معطوفة في موضعين: أحدهما في أربعة أسماء، وهي: {الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظََّاهِرُ وَالْبََاطِنُ} والثاني في بعض الصفات بالاسم الموصول، مثل قوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ََ (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ََ} (4) [الأعلى] ، ونظيره: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهََا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذََلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوََاجَ كُلَّهََا} [الزخرف: 1210] .
فأما ترك العطف في الغالب فلتناسب معاني تلك الأسماء، وقرب بعضها من بعض وشعور الذهن بالثاني منها شعوره بالأول. ألا ترى أنك إذا شعرت بصفة المغفرة، انتقل ذهنك منها إلى الرحمة؟ وكذلك إذا شعرت بصفة السمع انتقل الذهن إلى البصر، وكذلك:
{الْخََالِقُ الْبََارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24] . وأما تلك الأسماء الأربعة فهي ألفاظ متباينة المعاني متضادة الحقائق في أصل موضوعها، وهي متفقة المعاني متطابقة في حق الرب تعالى لا يبقى منها حقه. فكان دخول الواو صرفا لوهم المخاطب قبل التفكر والنظر عن توهم المحال واحتمال الأضداد لأن الشيء لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد، وإنما يكون ذلك باعتبارين، فكان العطف هاهنا أحسن من تركه لهذه الحكمة، هذا جواب السهيلي.
وأحسن منه أن يقال: لما كانت هذه الألفاظ دالة على معاني متباينة، وأن الكمال في الاتصاف بها على تباينها أتى بحرف العطف الدال على التغاير بين المعطوفات، إيذانا بأن هذه المعاني مع تباينها فهي ثابتة للموصوف بها.
ووجه آخر وهو أحسن منها: وهو أن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم، وتقريره يكون في الكلام متضمنا لنوع من التأكيد، من المزيد التقرير. وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة
إلى فهم ما نحن فيه: إذا كان لرجل مثلا أربع صفات: هو عالم وجواد وشجاع وغني، وكان المخاطب لا يعلم ذلك أو لا يقر به، ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل فإذا قلت: